مقاومون
يروون لـ
«السفير» قصص أبرز معارك حرب تموز 4
مــارون
الــراس:
المعركـة التي أبكت جنود العدو
( م. ع.م)
واجهة بيت مدمر فيمارون
تطل على الحدود (علي علوش)
سعدىعلوه
ليست معركة مارون الراسبحجم معركة وادي الحجير من حيث مدة المواجهات أو اتساعها
جغرافيا، ولا من حيثالخسائر
البشرية التي ألحقها المقاومون بالإسرائيليين، ولا، خصوصاً، بعدد الدباباتالتي دمرت في ساحة
المعركة. لكن
في مارون الراس دارت المواجهة البرية الأولىداخل الأراضي اللبنانية وعلى بعد أمتار من مركز للقيادة
الإسرائيلية داخل فلسطينالمحتلة..
وفي مارون كان لهزيمة إسرائيل وقع الصاعقة على مستويات معنويات الجنودوالإرباك الذي تركته في
صفوف قادتهم. عبرها
تحطمت معنويات الغازي وانكشف لجنودهبعض مما يخبئه له المقاومون. في مارون، أوهمت بسالة مواجهات
المقاومين الإسرائيليينبأنها تدور
داخل الجليل الفلسطيني المحتل، بينما كان المقاومون على بعد أمتار قليلةمن الحدود.. لم يتوقع
الغزاة أن يلاقيهم رجال المكان إلى عقر الدار التي احتلواوتمركزوا وأقاموا فيها ثكنتهم ومركز قيادتهم الشمالية، وهم
الذين اعتقدوا ربما أنالأرض ستخلو
من أهلها لمجرد إدارتهم محركات دباباتهم والتوجه بها نحو الشمال، نحوالجنوب اللبناني. لمارون
التي ترتفع 917 متراً عن سطح البحر، موقعهاالاستراتيجي العسكري الكبير. تمسك البلدة، التي تمتد على
جبل مارون، بالجليلالفلسطيني
وقراه بيد فيما تطال بيدها الأخرى المقلب اللبناني وفيه بنت جبيل وعيترونويارون والمواقع
المحيطة بها. موقع يخول المسيطر عليها التحكم إلى درجة كبيرة بهذهالقرى كلها، ويمنع
المقاومة من النيل المباشر من المستوطنات الإسرائيلية التي تقععند سفحها. ولمـــارون
أهمية أخرى، فهي الحد الأول مع فلسطين المـــحتلة شأنهابذلك شأن الكثير من القرى الممتدة على الخط الأزرق وإن كانت
تتفوق عليهابالإرتفـــاع. عن
معركة مارون الراس هذه الرواية يحكيها رجال المقاومة لـ
«السفير».
عندما
خرج الإسرائيليون في ثامن أيام عدوان تموز 2006 من مستوطنة
«أفيفيم» في الجليل الفلسطيني المحتل، في مهمة وصفها قادتهم وجنودهم
بـ«البسيطة»،كانوا
يستهدفون إسكات الصواريخ القريبة المدى التي كانت تطال «أفيفيم» وحقولالمستوطنات القريبة
التي أنشئ بعضها على أراضي القرى السبع المحتلة..
خرجوا
إلىجل الدير في
مارون الراس، وهي منطقة تبعد أمتاراً قليلة عن الثكنة العسكريةالإسرائيلية التي تحتوي
على مركز قيادة المنطقة، وهي المنطقة نفسها التي أطلق عليهاالإسرائيليون بعد
عدوانهم، وما شهدوه فيها من مقاومة شرسة، تسمية «المحميةالطبيعية» في مارون الراس.
يروي
«أبو حيدر»، وهو أحد رجالات المقاومة، حكايةالمواجهة البرية الأولى التي خاضها وإخوانه مع الإسرائيليين
والتي أدت في المحصلةالنهائية إلى
عزل العديد من ضباط الغزاة.
كان
الإسرائيليون، كما في كل تقدمبري،
قد مهدوا بالنار لغزوهم: قصفوا جبل الباط (شكيد بحسب التسمية الإسرائيلية) المواجه لبلدة مارون ومشطوا جل الدير
وغابة مارون ومسارهم بقطر لا يقل عن كيلومتر..
وكان
المقاومون ينتظرونهم في تحصيناتهم.
عرف
المقاومون بوصول الغزاة إلى الكمينالمنصوب.. أعطيت الأوامر لمقاوم واحد بالتصرف.. أطل المقاوم
المفوض بفتح المواجهةليجد
الإسرائيليين على بعد «خمسة أمتار منه»، كما يقول أبو حيدر ويضيف: «لن أقولمترين فقط كما روى
المقاوم صادقا».. من
تلك الأمتار القليلة صوب المقاوم بسلاحهالفردي وقتل الجندي الأول وانكفأ.. والسلاح الفردي كان رشاش
كلاشينكوف، «نعمكلاشينكوف،
هو سلاح فعال»، يقول أبو حيدر.
إطلاق
نار كثيف غطى المكان، فبدأالإسرائيليون
يطلقون نيران أسلحتهم المتنوعة في كل اتجاه، من دون أن يعرفوا مصدرإطلاق النار.. مرت
دقائق قليلة قبل أن تعطى الأوامر للمقاوم نفسه باستطلاع الوضع. خرج
المقاوم إلى المكان الذي أردى فيه الجندي ليجد ثلاثة من رفاقه يحاولونسحبه، فعالجهم بالنار
وأرداهم وعاد إلى مكانه. حتى هذه اللحظة ومجموعة جل الدير لمتنزل ساحة الوغى.. كان
المقاوم الأول هو نفسه الذي قلب الجبهة الشمالية رأساً علىعقب وأردى أربعة من الإسرائيليين ما بين قتيل وجريح وعاد
إلى مكانه.
«هاج» الإسرائيليون
و«ماجوا» مستعملين مختلف أنواع الأسلحة التي بحوزتهم، إلى أن عادالمقاوم نفسه لاستكشاف
موقعته: «لم يسمع أي صوت، كان هناك هدوء تام»، يقول أبوحيدر.
مكان
الجنود الأربعة الذين أرداهم وجد المقاوم خمس حقائب عسكرية. أعطيالأمر للمقاوم بسحبها
والعودة إلى مكانه ففعل.
من
يقرأ الرواية الإسرائيليةلموقعة جل
الدير وكيف قلبت قيادتهم وقواتهم رأساً على عقب، وفقاً للتفاصيل التينشرتها صحفهم، وكيف كان
الجنود يبكون وراء أقنان الدجاج في مستوطنة «أفيفيم» بعدماوصلتهم الأخبار المأساوية لما آلت إليه أحوال رفاقهم في
مواجهات الأمتار القليلةعلى
الحدود... لن يخطر بباله أن مقاوماً واحداً قام بذلك كله وأن مخلفات القتلىالتي تركوها في الميدان
قد سحبت إلى خارج مارون الراس بعد ساعات على الواقعة وتحتنيران كثيفة، وخرجت تلاقيهم على شاشة تلفزيون «المنار» مساء
اليوم ذاته كغنائم حرب.
أسفرت
مواجهات جل الدير وغابة مارون التي تلت موقعة المقاوم عن استشهاد مقاومواحد من المجموعة، هو
رضوان صالح من يارون. شاب لم يحل حمله الجنسية الأميركيةووضعه الاقتصادي المريح دون رغبته وطموحه في الدفاع عن أرضه. بعد
ما أصاب جنودهفي جل
الدير، عمد الإسرائيلي إلى محاولة احتلال مارون الراس من مدخل آخر. فتحالغزاة الشريط الحدودي
في مقابل بركة الحافور ودخلوا بدباباتهم الى الطريق الرئيسيةالتي تصل مارون الراس
ببلدة يارون. في أعلى الطريق وعند مدخل مارون كانت مجموعةأخرى من المقاومين بانتظارهم تحت إمرة مقاوم مندفع ومدرب لم
يتجاوز الخامسةوالعشرين من
عمره. ما
إن أطل الرتل العسكري وأمامه جرافة «د 9»، حتى قصف قائدالمجموعة أول دبابة ميركافا ـ 4 كانت تسير خلف الجرافة
العسكرية... احترقت الدبابةومعها
سُمع صوت المقاوم في كل الجبهة المحيطة بمارون وبنت جبيل وعيترون ويارون،يقول «احترقت أول
دبابة، الميركافا عم تحترق قدامي». ومع الميركافا قتل المقاومطاقمها المؤلف عادة من
أربعة جنود. بعد
إصابة الدبابة الأولى بلحظات «دوى» صوتقائد مجموعة مارون الراس عبر اللاسلكي العسكري «مبشرا»:
«قصفنا الدبابة الثانية وهاهي
تحترق»... ومع الدبابة الثانية احترق الطاقم الثاني.
حتى
هذه اللحظة، كانتخسائر
الإسرائيليين في مارون الراس قد وصلت إلى 12 جندياً ما بين قتيل وجريح، وكانالمقاومون قد غنموا
الحقائب العسكرية وفيها منظار نهاري وآخر ليلي وعتاد وخرائط. فيالمقابل استشهد مقاوم
واحد. أما
نفسيا، فقد أدت المواجهات إلى تحطيم معنوياتالجيش الإسرائيلي وإلى تباين هائل في وجهات النظر بين قادته
وإلى إرباك في كيفيةمساندة
المجموعة العسكرية التي وصفت حالتها، وفق روايات الإسرائيليين أنفسهم، بأنهافي «ورطة كبيرة». وفيما
كان المقاومون ينهالون على القوة الغازية عند مدخلمارون بأسلحتهم، وصلتهم أنباء عن تغلغل كتيبة إسرائيلية
جديدة في البلدة وبينمنازلها. حددت
إحداثيات عسكرية لقائد المجموعة المقاومة موقع المنزل الذي دخلهالإسرائيليون، فهجم
عليه مع مقاوم آخر. ومن
وراء المنزل الذي يقع في وسط مارونسمع صوت قائد المجموعة وهو يبشر «إخوان السلاح»: «قتلت
جنديين إسرائيليين هنا وراءالمنزل»،
قبل أن يكمل هجومه والمقاوم الآخر بطريقة ما يعرف عسكرياً بـ«حركة ونار»،أي مهاجم
ومساند يغطيه. ألقى المقاوم قنبلتين على المنزل والتف من أمامه وهجم عليه. في
مرحاض المنزل المواجه لمصطبة الدار، كان جنديان إسرائيليان يختبئان، ومن خلفالباب الذي تخفيا وراءه
أطلقوا الرصاص من سلاح «ماغ» المتفجر على المقاوم وهو علىسفرة الدرج يهم بدخول المنزل عليهم. وعلى سفرة الدرج استشهد
قائد مجموعة مارونالراس
«جواد»، وهو شاب لم يكمل عامه الخامس والعشرين وكان ينتظر مولوده الأول. لكن،
من أين وصل الغزاة إلى داخل مارون؟ بعد
مواجهتي جل الدير على الحدودومدخل
مارون الرئيسي لجهة يارون ـ بنت جبيل، عمد الإسرائيلي إلى دخول مارون منالجهة الخلفية عبر جبل
كحيل بالاستعانة بفرقة مظلّيين. هناك دارت المواجهات بينهموبين المقاومين من دار إلى دار ومن جل إلى جل. وفي
خضم المواجهات، وردتإحداثيات
عسكرية عن وجود مجموعة من ضباط الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في أحدبيوت مارون، وبالتحديد
في منطقة الدبش المواجهة لبنت جبيل ويارون، وإلى هناك وجهالمقاومون أسلحتهم وقتلوا أربعة ضباط اعترفت بمقتلهم
إسرائيل. وفيما
كان أبوحيدر يروي
لـ«السفير» ملحمة مارون من فوق منطقة جل الدير وغابة مارون، مر بالمكانمزارع يحمل كامل
«عتاده» الزراعي. ينده أبو حيدر على المزارع «جهاد طل عليناشوي»... يترك جهاد
معوله ويقبل على صديقه.
جهاد،
المزارع ابن مارون، هو أيضامقاوم
حمل رفيقا له جريحاً تحت القصف وأزيز طائرة «أم. كا» والمقاتلات الحربية،وأخرجه من البلدة الى
حيث تم إسعافه. كان
جهاد يرابض مع مقاوم في الجل الواقعتحت الطريق المشرفة على المنزل الذي استشهد فيه قائد مجموعة
مارون. وبالقرب من جهادضربتهما
الـ«أم. كا» بصاروخ أصاب من المقاوم مقتلاً. تأكد جهاد من أنه فارق الحياةوأخذ يعد العدة لسحب
جثته حين شاهد مقاوماً آخر في المنزل المقابل وقد أصيب بثلاثرصاصات قناص في خاصرته
وهوى أرضاً. ظن جهاد أن المقاوم المصاب بالقنص قد استشهدأيضاً. لحظات، وجهاد منهمك في تدبير كيفية سحب جثة المقاوم
الأول، رأى مقاوماً آخريهوي عن
جدار الجل ويناديه طالباً المساعدة. كان هو نفسه المقاوم الذي أصيب بالقنص. زحف جهاد إلى حيث المقاوم الجريح، أجرى
له ما تيسر من الإسعافات الأولية وحمله علىظهره إلى حيث تمكنت مجموعة أخرى من المقاومين من سحبه خارج
البلدة..
«المهم أنهاليوم
بخير»، يقول جهاد وهو يستأذن المغادرة نحو حقله.
إثر
المواجهات التي دامتنحو عشرين
ساعة والإرباك الذي حل بالإسرائيليين بعد فقدانهم أحد جنودهم ويدعىيهونتان فلاسيوك، وهو
رقيب أول في وحدة إيغوز من لواء المشاة غولاني من كيبوتس لاهفوعمره 21 سنة، (عادوا
وعثروا عليه تحت جدار إحدى الطرقات بعد مقتله) انكفأالإسرائيليون عن المواجهات المباشرة. في غضون ذلك وفيما كان
أحد المقاومين في طريقهإلى خارج
مارون تواجه مع جندي إسرائيلي عند مدخل أحد منازل البلدة فقتله وأكملطريقه. مع
انتهاء مواجهات الساعات العشرين، كانت المقاومة أمام خيار «ما العملبعد الانتصار في مارون؟». ساهمت
طبيعة مارون الراس الجغرافية الجرداء وخلوالبلدة من البساتين الكثيفة و«انفلاش» طرقاتها المفتوحة،
التي تصلها ببنت جبيل منجهة
وبعيترون من جهة ثانية وبيارون من جهة ثالثة، في قرار المقاومة الاكتفاء بهذاالقدر من الإنجازات
والمواجهات فيها: «لم يكن من السهل دعم المجموعة الموجودة فيمارون، ولم نكن نريد
التضحية بهم فأعطيت الأوامر لهم بالانكفاء نحو مواقع أخرى»،يقول أبو حيدر. كان المقاومون على موعد آخر مع مواجهات بنت
جبيل ومربع التحرير. أدت
مجموعة مارون قسطها، ألحقت بالغزاة شر هزيمة وحطمت معنويات جنودهم فيضربتهم الأولى وذاع
صيتها كمؤشر ـ عنوان لمسار حرب عادت وانتهت كما بدأت في مارونالراس «رجال يعرفون كيف
ينتصرون وننتصر معهم»، كما قالت عنهم والدة أحد شهداءمارون.
كانت
أم عيسى تتبادل وجارتها أطراف الحديث عن مواجهات جل الدير وغابةمارون لما قالت:
«الغابة عادية يعني ما فيها وحوش وأسود..»، فردت الجارة «لأ يا أمعيسى ما تغلطي، رجال
المقاومة هم أسود الغابة».