هذا المقال
مرسل من الأخ عباس قدوح
بعد سنة
على حرب تموز .. «معاريف» تكشف فصولاً من القتال مع «حزب
الله
الليلـة
التـي سُلّت فيهـا السكاكين: حكايـة معـركة مـارون الراس
أجهـزة
التنصـت .. والقنبلـة اليدويـة التـي ترتـد علـى الجنـود
السفير- العدد
10737 – تاريخ 30 حزيران 2007
عمير
ربابورت
مع
اقتراب الذكرى السنوية الاولى للحرب الاسرائيلية على لبنان في
الثاني
عشر من تموز عام ,2006 نشرت صحيفة «معاريف» الاسرائيلية في عددها الصادر امس
تقريرا
مفصلا لمراسلها العسكري عمير ربابورت، تضمن فصولا من المعركة التي خاضها
الجنود
الاسرائيليون مع مقاومي «حزب الله» في جنوب لبنان، مركزاً على معركة مارون
الراس
وما تخللها من أسرار واتصالات بين ضباط الميدان وقيادة الجيش الاسرائيلي.
«السفير» تنشر الترجمة الحرفية لهذا التقرير لأهميته، وهو جاء تحت
عنوان «الليلة التي سلت فيها السكاكين»:
المعلومات
الاستخبارية عن «المحميات الطبيعية»، أي الملاجئ تحت الارض التي أقامها نصر الله في
جنوب لبنان بعيدا عن أي مكان سكن، بقيت داخل صناديق. كُتب على كل صندوق أي الملفات
يشتمل عليها. حظيت كل محمية بملف يخصها. كانت التفصيلات كثيرة، وإن لم تكن كاملة أو
حديثة تماما، بيد أنها بقيت مخزونة في مكاتب قسم الاستخبارات في قيادة الشمال.
حرصت
شعبة الاستخبارات في هيئة القيادة العامة (أمان) على ألا تنشر المعلومات
الحساسة بين المستويات الميدانية تحت مستوى القيادة. كان خوف انه اذا
تسربت المعلومات وتبين لحزب الله أنها وصلت الى الجيش الاسرائيلي، فإنه يبحث عن
مصادره حتى ينجح في «إحراقها». كان الحذر شديدا جدا، الى حد أنه لم يُسلم المحللون الذين
فحصوا عن الصور الجوية التي تمت في جنوب لبنان من أجل احتياجات استخبارية،
نقاط التعيين الدقيقة للمحميات الطبيعية. لم يعرف قائد المدفعية في قيادة
الشمال، العقيد يوسي سار، الذي طُلب اليه أن يستعمل النار لمحاولة التشويش على
إطلاق القذائف الصاروخية، لم يعلم حتى أن جزءاً كبيراً من الاطلاقات يتم من داخل
المحميات الطبيعية.
في
الحقيقة
أن شعبة الاستخبارات طورت نظماً حاسوبية للنشر السريع للمعلومات الحساسة
ساعة
الحاجة، لكن بسبب الأفضلية التي أُعطيت لسنين للقتال في المناطق لم تُرتب في
الشمال.
الحذر الشديد في الحفاظ على المعلومات مخصص بالطبع للاوقات العادية فقط. لم
يكن هناك
نية أن تظل المعلومات المهمة مخزونة ساعة الحرب عندما يكون الأمر ضروريا
للقوات.
لكن هذا بالضبط ما حدث.
وهكذا،
في يوم الاربعاء التاسع عشر من تموز، بعد أسبوع من نشوب الحرب، وجدت
قوة صغيرة من الوحدة الممتازة «مغلان» نفسها فجأة في قلب موقع كهذا لحزب الله، لم
تعلم بتفصيلاته ومجرد وجوده. كانت القوة في إحدى العمليات البرية الاولى في
الحرب، في إطار سلسلة من العمليات القريبة من الحدود. كان الهدف المتواضع جدا وقف إطلاق قذائف الرجم وقذائف المدافع
التي أُطلقت بلا انقطاع نحو بيوت القرية الزراعية «أفيفيم» وقيادة الجيش
الاسرائيلي المجاورة للقرية الزراعية. تم الاطلاق من تل داخل لبنان على بعد بضع مئات من
الأمتار عن الحدود، واسمه جل ـ الدير كان عليه حتى الانسحاب من الشريط الأمني
موقع «شكيد» للجيش الاسرائيلي.
أُرسلت
القوة الصغيرة، ثمانية عشر جندياً فقط، لإقامة برج مراقبة يحدد مصادر إطلاق النار لحزب
الله. كان بالصدفة أحد الضباط في القوة، رجل احتياط وقائد سرية في ماضيه، ابناً
للواء احتياط اهارون زئيفي ـ فركش الذي أنهى عمله رئيسا لـ«أمان» قبل الحرب بنصف سنة.
تحت غطاء
الظلام حلّ المحاربون بجوار تل شكيد وغطوا أنفسهم بشبكات إخفاء وبأغصان. وخُصصت أربع دبابات
للتغطية من بعيد. عندما طلع النهار بدأت القوة تحاول أن تحدد من أين يطلقون النار على
أفيفيم. في الساعة 4011 فقط أدرك الجنود انهم موجودون داخل موقع لحزب الله فيه مواقع
كثيرة، ليست أقل تغطية من مواقعهم. القنبلة اليدوية التي ألقاها الجنود على إحدى
الآبار أصابت شبكة تغطية. مُطت الشبكة وعادت القنبلة اليدوية الى القوة وعند ذلك فُتحت
النار من عدة اتجاهات.
اتصل
قائد «مغلان»، المقدم اليعيزر هاتفيا بقائد فرقة الجليل، العميد غال هيرش. «إقطع
كل كابل تراه في الميدان»، أمره هيرش. استعمل محاربو حزب الله
الكوابل للاتصال من نقطة الى نقطة.
ساد
الخوف في التل، لكن لم يكن هناك وقت فراغ للتفكير فيه. دار القتال بين
الصخور. كان الرقيب أول يونتان هداسي والرقيب أول يوتام غلبوع أول قتيلين من
الجيش الاسرائيلي في عملية برية منذ اتخاذ قرار الخروج للحرب. وأُصيب تسعة محاربين
آخرين.
أخافت
أصوات الانفجار الدجاج في أخمام القرية الزراعية أفيفيم. قصفت طائرات ومروحيات قتالية الوادي
بين شكيد وأفيفيم للتغطية على تخليص الجرحى. وأُمطر الجنود الذين جروا مع
الحمالات بقذائف الرجم، وكان رفاقهم النازفون عليها. ابتدأت النباتات الصيفية الجافة
تشتعل، وغطى دخان كثيف ميدان القتال. في غرفة عمليات «مغلان»، من وراء أخمام الدجاج
في القرية الزراعية، احتضنت الجنديات بعضهن بعضا وبكين.
في تلك
اللحظات خطرت فكرة في قيادة فرقة الجليل: أدركوا فجأة هناك أن الانذارات التي لا تنقطع التي تم
الحصول عليها في الفترة قبل الحرب من «لينكولن»، الجهاز الذي خُصص لتحديد
مواقع سقوط قذائف الرجم على حسب دوي الانفجار، شهدت في الحقيقة على عمليات الحفر داخل
تل شكيد. أصر لينكولن على أن يُبلغ لأشهر عن القذائف التي لم توجد، وفي مرحلة ما
كفوا عن البحث عن آثار إطلاق النار. تبين في ظهيرة التاسع عشر من تموز 2006 فقط أن
الانفجارات التي عرفها لينكولن كانت أصوات الحفر في المحمية الطبيعية جل ـ الدير.
المحمية،
التي تبينت تفصيلاتها في المادة الاستخبارية المخزونة في القيادة، كان
يسيطر عليها نحو من عشرين من أفراد حزب الله. أكثرهم محاربو مشاة ذوو كفاءة عالية
من القوة الخاصة للمنظمة، يمر جنودها بتدريبات في ايران. يبدو أن خمسة منهم
قُتلوا في المعركة.
في تل
شكيد بدأ الجيش الاسرائيلي القتال البري في لبنان بداية سيئة. لقد فعل
ذلك على
نحو متردد، بغير إظهار تصميم وبغير تظاهر بمضاءلة إطلاق الصواريخ نحو
الشمال
ولو قليلا. تخلى الجيش الاسرائيلي عن امتياز كِبره كجيش يعد مئات آلاف
المحاربين
وواجه منظمة عددها على حسب التقديرات من ثلاثة آلاف حتى أربعة آلاف شخص
في جنوب
لبنان. بدل أن يُغرق المنطقة بقوات عظيمة مع استغلال التفوق الجوي التام أو
الاكتفاء
بأهداف محدودة يمكن إحرازها بعملية من الجو فقط، زحف الجيش الاسرائيلي الى
أهداف
غير مهمة كان لحزب الله فيها امتياز واضح، لأنه يعرف المنطقة معرفة أفضل وهو
في مواقع
محمية.
سلك
الجيش الاسرائيلي سلوكا يخالف أكثر مبادئ القتال أساسية: تركيز الجهد في قطاع ما، والحفاظ على توالي القتال واستمراره،
ونقل ساحة المعارك الى أرض العدو وتقصير أمد الحرب قدر المستطاع للتخفيف من معاناة
الجبهة الداخلية. كانت هذه المبادئ سائدة في أيام وزير الدفاع الاول دافيد بن غوريون،
الذي أسس الجيش الاسرائيلي، وبقيت سائدة عشرات السنين بعد موته. وهي تُدرس في
دورات القيادة التعليمية الأقل شأنا لكنها أُهملت في هذه الحرب على عِلم.
يجب
تغيير القرص
في اليوم
الذي دفعت فيه وحدة «مغلان» دماً عن العملية في شكيد، كان الجمهور
والقيادة
ما يزالان لم يدركا كامل معنى حقيقة أن الجيش الاسرائيلي موجود في قتال
شديد
لعدو ذي خبرة وتدريب، مزود بوسائل متقدمة. أنشأ الاعلام الاحساس بأن كل قتيل
يشهد
بالتقصير. في هيئة القيادة العامة صعب عليهم أن يفهموا كيف تورطت عملية برية
سهلة
نسبيا للسيطرة على منطقة بقرب أفيفيم. ولم يفهم وزير الدفاع عمير بيرتس ايضا
لماذا
يُقتل الجنود، وخاب أمل رئيس الحكومة ايهود أولمرت.
على رغم
ذلك، في نقاش في المجلس الوزاري السياسي ـ الأمني المصغر، أُجري في ذلك
اليوم، عُرضت صورة متفائلة. بعد الجلسة فقط تبين للوزراء النتائج الشديدة
للمعركة في شكيد. اتصل وزير المواصلات شاؤول موفاز، الذي اضطر أن يترك حقيبة الأمن قبل
ذلك ببضعة أشهر، برئيس الفريق في ديوان رئيس الحكومة، يورام توربوفيتش، وطلب الحديث
الى أولمرت. رجع أولمرت اليه عند منتصف الليل تقريبا.
«قُل لي، ما هذه العملية؟»، تحرش وزير المواصلات.
دافع
رئيس الحكومة عن نفسه قائلا: «أجزت لهم أن يدخلوا 1.5 كيلومتر
فقط».
موفاز:
«في 1.5 كيلومتر مئات من أفراد حزب الله».
أولمرت:
«لا أستطيع أن أُراقب هذه العملية. سأتحدث الى رئيس الاركان الذي سيفحص
مرة ثانية عن عمليات كهذه».
في
الحقيقة أن رئيس الاركان دان حلوتس طُلب اليه أن يُقدم تفسيرات، لكن
العميد
غال هيرش قائد الفرقة 91 هو الذي كان موجودا في هذا الوضع الأعوج. كان
الضابط
القصير القامة ما زال لم يثُب اليه رشده من اختطاف جنود الاحتياط ومن
الأحداث
الشديدة التي صاحبت ذلك. وكان قد شعر انهم في الأعلى في القيادة غير راضين
عنه بقدر
كبير. وأنهم وضعوا عليه علامة. الحقيقة أن الأمر كان كذلك. كانت العملية
في شكيد
يمكن أن تنتهي من غير أن يعلم حزب الله بها وبغير طلقة واحدة. لكن التورط
فجر كل
شيء.
سبقتها
نقاشات بين قائد الفرقة 91 وبين قائد المنطقة الشمالية أودي أدام. كان توجهاهما مختلفين. في
اليوم الثاني للقتال علق هيرش وراء ظهره في غرفة العمليات بخط يدوي: «حرب». وقد
دفع الى تنفيذ إجراءات برية على أرض لبنان والى تجنيد رجال الاحتياط في الفرقة.
«دعونا نعبر الحدود، دعونا على الأقل ننفذ عملية «جلسات صحيحة» (خطة لقيادة الشمال للسيطرة على مناطق وراء
الحدود لمنع إطلاق نار مباشر على البلدات ولكي تصبح قاعدة لهجوم واسع وقت الحاجة)»،
طلب هيرش من القيادة. واشتكى من أنهم يُقيدون يديه وشعر بأن قائد منطقة الشمال لا يدرك أنه
نشأ وضع جديد وأنه يجب تغيير القرص.
أدام، من
جهته، خاف جدا مبادرات هيرش. بعد التورط في شكيد وُجد في القيادة الشمالية
شعور بأن هيرش يستخف مرة اخرى بالمستويات فوقه، كما حدث أكثر من مرة في الماضي.
زعموا في القيادة أنه وعد بعملية هادئة وقاد الى معركة صعبة. كان الضغط على هيرش
عظيماً. بدا كئيباً، لكن مزاجه النفسي أصبح أكثر هجومية مما كان قبل المعركة على التل
وراء الحدود.
فكر هيرش
في الهدف القادم: السيطرة على قرية مارون الراس، التي تقع على جبل ارتفاعه 917 مترا فوق
سطح البحر ويسيطر على تل شكيد وعلى منطقة أفيفيم. قبل التورط في شكيد نجح هيرش في
إقناع القيادة بالحاجة الى السيطرة على مارون الراس. وُلدت هذه الخطة نتيجة أمر
عسكري وجهته هيئة القيادة العامة الى قيادة المنطقة الشمالية في السابع عشر من تموز، في
اليوم الذي خطب فيه ايهود أولمرت في الكنيست خطبته «الى هنا». طُلب الى القيادة
أن تنفذ إجراءين يدخلان أرض لبنان في كل ليلة. في ليل المعركة على شكيد خرج محاربو
لواء المظليين بقيادة العقيد حاغي مردخاي الى منطقة قرية عيتا الشعب، قرب مكان
اختطاف ريغف وغولد فاسر، أما كتيبة الاستطلاع الدرزية المسماة «حيرف» فأُرسلت الى قرية
مروحين، ولم تلق هناك مقاومة ذات شأن.
«هذه مهمة انتحارية»
سقط
الأمر العسكري باحتلال مارون الراس من القيادة على الفرقة 91 في يوم الاربعاء في الساعة
السابعة والنصف صباحا، قبل أربع ساعات من المواجهة في شكيد. في أثناء النهار فُرض
على فرقة هيرش مهمة اخرى: أن يُرسل محاربي وحدة أغوز لاحتلال المحمية الطبيعية
التي أُقيمت عند سفح قرية يارون، غربي أفيفيم، تجاه القرية الزراعية دوفاف. من
هناك ايضا أُطلقت نار متوالية على اسرائيل. بادر الى هذه العملية خاصة فرقة
المظليين المنتخبة «عمود هإيش» التي يقودها العميد إيال أيزنبيرغ بتنسيق مع القيادة.
لكن في اللحظة الأخيرة تقريبا تقرر نقلها لتكون من مسؤولية فرقة هيرش، بعد أن اشتكى
هذا على مسامع أدام من أنه «لا يمكن أن تتم عملية على مبعدة عدة عشرات من الأمتار عن
الجدار وألا تكون لفرقتي».
هيرش،
الذي جرى ذهابا وإيابا في المنطقة الواسعة التي تحت مسؤوليته (بعد أربعة أيام من طلب نائب رئيس الاركان اللواء موشيه
كابلنسكي من أدام أن يقسم المنطقة بين الفرقة 91 وبين الفرقة ,262 وما زال الأمر لم
يتم)، دخل عمق العملية في محمية يارون قبل وقت قصير من خروج القوة في طريقها. كان
العقيد داني كاس، قائد لواء الاحتياط المنتخب ,551 الذي كان محاربوه لم يُجندوا بعد، كان
يفترض أن يقود العملية من قبل مفرزة «عمود هإيش». تحمل المسؤولية عن وحدة أغوز
النظامية وأمر قادتها بتخطيط العملية.
ان
العميد إيرز تسوكرمان، وهو قائد فرقة احتياط مدرعة في قيادة الشمال، ضابطاً آخر وجد
نفسه مشاركاً في الخطة لاحتلال محمية يارون. تسوكرمان، وهو قصير القامة وخشن، نشأ في الكوماندو البحري.
كان القائد الاول لوحدة أغوز التي أُقيمت في ,1995 وقائدا للوحدة البحرية ,13 وقائدا
للواء غولاني زمن الانفصال. في أعماله السابقة قاد تسوكرمان عددا لا يُحصى من
أعمال الغزو في جنوب لبنان وعرف كل سبيل في المنطقة تقريبا.
كان
تسوكرمان خائب الأمل لأن فرقته لم تُطرح في المعركة. حاول أن يُدفع الى القتال، لكنهم في قيادة
القيادة الشمالية رأوه ملحاحاً لا شفاء له. ومع أسفه انضم الى قائد منطقة الشمال
السابق عميرام لفين والى العميد موشيه تامير، الذي حل محله في قيادة أغوز. حاولوا أن
يفكروا معا في خطط لقيادة الشمال، لكنهم لم ينجحوا في تسويق أفكارهم وتلاشت
المبادرة.
يوم
الاربعاء
ظهرا، بعد أن خلص محاربو مغلان أنفسهم من شرك المحمية الطبيعية في موقع
شكيد،
اتصل تسوكرمان بقائد الوحدة المقدم اليعيزر. «أنا فخور بكم»، قال له بالهاتف
المحمول
المشفر للجيش الاسرائيلي. شعر اليعيزر بأن التعزيز غير المتوقع أعطاه قوة
لـ12
ساعة اخرى من القتال. بعد ذلك بوقت قصير تلقى تسوكرمان ايضا مكالمة هاتفية
مفاجئة.
كان على الخط ضابط في الوحدة. هو وإيرز يعرف بعضهما بعضا جيدا من الايام
التي كان
فيها تسوكرمان قائدا لأغوز وللواء غولاني.
قال
الضابط لأيرز: «هل أنت في الشمال؟ أنا بحاجة الى أن تأتي». وجاء إيرز. انحنى قادة
أغوز فوق خرائط في مرأب في غابة برعام، بقرب أفيفيم. أصبحت الطاولات الخشبية للكيرن
كييمت مقاعد لغرفة العمليات الحربية. كان هناك الضابط الذي اتصل بايرز، وقائد
أغوز ايضا المقدم مردخاي كهانا وضباط آخرون. لم يبدُ عليهم انهم فوجئوا بزيارة قائد
الوحدة وقائد اللواء سابقا.
في
الساعة الرابعة بعد الظهر كان الجو ما يزال حارا، لكن الاشجار
القديمة
ظللتهم. شحبت وجوه ضباط أغوز الذين انحنوا فوق الخرائط كلما تعمقوا في
تفصيلات
خطة السيطرة المخطط لها على المحمية الطبيعية. فقد عرفوا جيدا أن الخبرة
الأساسية
لأغوز بالحرب في لبنان ضعفت ضعفا شديدا في السنين التي عملت فيها الوحدة،
كالجيش
الاسرائيلي كله، في محاربة «الارهاب الفلسطيني» في المناطق. أثبتت المعركة
في شكيد
مبلغ كون احتلال مواقع حزب الله مهمة خطرة، وإن كانوا في هذه المرحلة ما
زالوا
يعتقدون أن المحمية الطبيعية هي في الأكثر كهف أو ملجأ أرضي. الآن ايضا، بعد
تورط
مغلان، بقيت المعلومات المفصلة عن المحميات الطبيعية مخزونة في صناديق
القيادة.
ما زالت القوات لم تعلم بأن كل واحدة من المحميات هي نظام ملاجئ أرضية من
الاسمنت
وفيها أبواب فولاذية، وسلالم، ومنافذ طوارئ، ومنافذ هرب وشبكة وسائل تضمن
اتصالا
متواصلا، بعضها محوسب.
الى جانب
تحدي احتلال المحمية الطبيعية أقلق قادة أغوز الخوف من أن تنكشف القوات
في الطريق، لأن مسار الوصول الى قرية يارون مر في منطقة منخفضة من ناحية
طوبوغرافية. أوضح تحليل المنطقة أن المحاربين في الهدف نفسه سيكونون مكشوفين لإطلاق النار
عليهم من الخلف. قال المقدم كهانا: «هذه مهمة انتحارية».
كان
العميد تسوكرمان قلقا. «جيئوني بدرع»، طلب. «أنا صاعد الى الفرقة من أجل التنظيم لأدخل مع
القوات في الميدان. من ذا يعلم كم من الوقت سنكون في الداخل». كان يبدو قائد
الفرقة كمن وجد هدفه في الحرب آخر الأمر.
لم يعتمد
الضباط
في أغوز البتة على غال هيرش، القائد الذي رأوا أنه أرسلهم الى المهمة. على
رغم انه
شارك في عمليات كثيرة في لبنان كقائد لوحدة شلداغ وفي طائفة من المناصب
التي
شغلها في لواء المظليين، شعروا بأنه لا يعيش مثلهم الميدان في لبنان، وكانوا
يرون أن
من نشأ في أغوز فقط يعرف حقا كل تل وكل نقب معرفة حميمة. بدل إشراك غال في
الضائقة
التي كانوا فيها ومشاورته في ما يتعلق بصعوبة احتلال محمية يارون، فضل
القادة
الاتصال بتسوكرمان وبالعميد موشيه تامير، الذي انتظر في ذلك الوقت تعيينه
قائدا
لفرقة غزة، لسماع رأييهما. استمرت الهواتف المحمولة ترن. بعد أن ترك تسوكرمان
غابة
برعام تلقى مكالمة هاتفية اخرى، من حاغي بيلغ، القائد الثالث لأغوز، الذي حل
لحينه
محل موشيه تامير. ترك بيلغ الجيش الاسرائيلي بعد انتهاء عمله في أغوز وعُين
قائدا
للوحدة الشرطية الخاصة لمحاربة الارهاب. حاول الآن ايضا أن يندمج في الجهد
القتالي.
حدد الضابطان، تسوكرمان وبيلغ، اللذان تجولا في الشمال بلا عمل محدد،
موعدا
للجلوس على فنجان قهوة. في اللقاء تحدث تسوكرمان لبيلغ عن المهمة الانتحارية
المعدة
لأغوز. قررا أن يخطوَا خطوات لإحباط العملية المخطط لها.
اقترح
بيلغ قائلا «تحدث الى كابلان». فنائب رئيس الاركان اللواء موشيه كابلنسكي
(كابلان) ينتمي مثلهما الى ما يُسمى «الكتلة العسكرية الحاكمة من (خريجي)
غولاني» في الجيش الاسرائيلي. قبل تسوكرمان النصيحة. توجه الى كابلنسكي واقترح
هذا: قُل لكهانا (قائد أغوز) انه اذا كان يرى أن المهمة إشكالية، فليقل انه لا
يستطيع تنفيذها. أنت تعلم حال قادة الكتائب، أجاب تسوكرمان، فهم ينفذون الأوامر
العسكرية دائما. وقرر أن كهانا لن يرفض أبدا.
على رغم
ذلك ساعد هذا الإجراء. نُقلت رسالة أنه يجب وقف العملية في يارون من هيئة
القيادة العامة الى قائد المنطقة أودي أدام. فحص هو نفسه عن خطة احتلال يارون وألغاها.
ندما حصل
هيرش على إعلام بأن العملية في يارون ملغاة اعتقد بسذاجة أن الحديث عن قرار
ينبع من تقلب القيادة. فقد ضباط أغوز، من جهتهم، الثقة بتقدير هيرش، وبلغت
شائعات الى فرقة الجليل أن أفراد غولاني يكيدون له. وتم الحديث عن أنهم «مشتاقون الى
درجة الموت» الى استبدال موشيه تامير بهيرش، وهو الذي يلقبونه «دوبرمان»، لكي ينقض
أمامهم على حزب الله (مع سكين بين أسنانه).
إن
انعدام
الإطراء الى حد العداء في القيادة العسكرية تجاوز كثيرا حدود القيادة
الشمالية.
وجه ضباط مظليون كبار ايضا في تلك الايام نقدا لاذعا الى عمل قائد الفرقة .91
إن جزءا
من الاقوال التي صدرت عن الضباط عن هيرش وجدت طريقها الى الاعلام. كانت
الحملة
عليه تعبيرا متطرفا عن أن الصداقة، والرفقة العميقة في كل ظرف التي قدسها
جيل
البالماخ، قد اختفت من قيادة الجيش الاسرائيلي، فقد نشأت العداوة بدل الصداقة
الحقيقية،
كما قال حلوتس في خطبة استقالته.
الأسرى
أُطلقوا في الحال
لكن
على رغم
التشاحن، كان يجب الاستمرار في القتال. سُلمت قيادة العملية البرية المهمة
الاولى،
احتلال مارون الراس، الى قائد اللواء ,300 اللواء الغربي على حدود لبنان،
العقيد
حين لفني. كانت غرفة العمليات الحربية قائمة في أحد الكيبوتسات، قرب الجدار
الحدودي.
بدأت
العملية في مارون الراس في الليلة بين الاربعاء والخميس، بين 19ـ20 تموز. سيطر محاربو كتيبة استطلاع المظليين، بقيادة المقدم
نمرود ألوني على الجزء الشمالي من القرية. على رغم أن اسم «مارون الراس» يشهد
بأن المكان كان في الماضي متصلا بالمسيحيين الموارنة في لبنان، فإن الحديث اليوم
عن قرية شيعية فيها عدد قليل من السكان المسيحيين. قامت القرية الصغيرة، وعددها
نحو من ثلاثة آلاف ساكن في الحصيلة العامة، في مركز معارك الجيش الاسرائيلي في أيام
حرب التحرير، واحتُلت ايضا في عملية الليطاني في 1978 وفي حرب لبنان الاولى. أبرز
مبنى في القرية هو المسجد بالطبع. كان النظام القتالي الذي أقامه حزب الله قبل
ذلك محصوراً في قلب القرية، في جزئها الأعلى. وكان هناك ايضا موقع استخباري مغطى
عمل في التنصت على قوات الجيش الاسرائيلي. المدرسة المحلية، التي كانت مغلقة
أصلا في شهور الصيف، لعبت دورها كموقع قتالي في أوقات الطوارئ. احتشد نحو من 25 مقاتلا
من حزب الله هناك، 25 فقط. وكان بضع عشرات آخرون منتشرين في مناطق اخرى في القرية.
بدأت
المعركة على نحو ناجح. وجه قائد الكتيبة نمرود نار الصواريخ التي أُطلقت
من الجو ومن البر نحو 34 هدفا في القرية. بدأ حزب الله ينقل جرحاه بذعر نحو بلدة اللواء
المجاورة بنت جبيل. وبدأت تصل أنباء عن أن قائد قواتهم في مارون الراس
قُتل. في مقابلة ذلك انقطع آخر الأمر إطلاق نار حزب الله على منطقة أفيفيم. حقق محققون
مع أسرى من الوحدة 504 من «أمان» مع أحد السكان المحليين اعتُقل وهو يتجول. قاد
الجنود الى مبنى كانت فيه محطة تنصت لحزب الله، موصولة بهوائي مدني في ظاهر الأمر.
كانت
المعدات التي تم الكشف عنها داخلها مفاجئة بنوعيتها. كان مصدرها ايران، ولم
تكن لتُخجل حتى وحدة التنصت 8200 في الجيش الاسرائيلي. تبين أن حزب الله من هذا
المكان العالي تنصت على الجيش الاسرائيلي 24 ساعة في اليوم، لا على شبكات الاتصال
وهواتف الوحدات في الحدود الشمالية، بل على القوات التي عملت في المناطق ايضا. فالأقوال
التي قيلت على مبعدة مئات الكيلومترات التقطت هناك وسُجلت. كانت في حوزة أفراد
الاستخبارات في حزب الله ملفات مفصلة عن المنطقة وعن قادة الجيش الاسرائيلي. خُصص ملف
سميك على نحو خاص لغال هيرش، الذي تمت مراقبته مراقبة لصيقة.
كانت
تجارب الانتفاضة ما تزال تكوي رؤوس القادة. أرادوا في الجيش الاسرائيلي أن يروا في مارون الراس
صورة نصر بارزة، مثل صورة مئات الفلسطينيين يرفعون أيديهم خاضعين ويُسلمون سلاحهم
في قلب طولكرم في أثناء عملية «السور الواقي» في نيسان .2002 بل إن الشرطة
العسكرية تلقت أمرا بأن تُعد إعدادا سريعا موقع سجن في معسكر فيلون بقرب روش بينا
لاستيعاب مئات من أفراد حزب الله الأوائل الذين سيقعون في الأسر، هناك.
عندما
طلع صباح جديد على مارون الراس، في يوم الخميس، تحدث هيرش بالهاتف الى قائد الكتيبة
نمرود، وقال له هذا إن جنوده عدوا 13 جثة للمخربين. أسرع هيرش الى إبلاغ رئيس الاركان
بذلك بفخر غير خفي: «تدور المعركة على نحو ممتاز! هناك 13 جثة!». كانت هذه بشرى ممتازة
لحلوتس. لقد أراد أن يعرض على الجمهور وعلى المستوى السياسي الجيش
الاسرائيلي في أفضل حالاته.
اتصل رئيس الاركان باللواء أدام وحثه على أن ينقل صور أسرى وقتلى من حزب الله. اتصل قائد المنطقة بالمقدم نمرود لطلب صور. كان عدد من المحاربين مزودين بآلات تصوير رقمية، في إطار إجراء يسمى «توثيقا عملياتيا». لم يتحمس قائد الكتيبة للفكرة: «أيها القائد، نحن غير مستعدين لتعريض الجنود للخطر من أجل جلب صور جثث». «اذا كان الحديث عن تعريض جنود للخطر من أجل التصوير، فلا حاجة اذاً. أنت على حق»، أجابه أدام. لم يُسهم فشل مهمة الإتيان بصور قتلى في العلاقات المتعكرة بين أدام وحلوتس. ولا في صورة هيرش ايضا. وقد شكوا في الكرياه (مقر وزارة الدفاع) في تل أبيب في أن