بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام
جعفر الصادق عليه السلام
ـــــــــــــــــــــــــــ
ورد في بعض الأخبار أنه (ع) توفي في شهر شوال ولذلك رأينا من المناسب التحدث حول هذه الشخصية العظيمة التي كان لها ما لها من الآثار الهامة في نشر علوم أهل البيت النبوي وفي إظهار مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية الذي هو عين الإسلام الذي جاء به خاتم الأنبياء محمد (ص) وإن كان قد ظلمه حكام عصره وأتباعهم من طلاب الدنيا فحاولوا أن يطمسوا ذكره ويطفئوا نوره ويأبى الله إلا أن يظهر نور أوليائه وحججه على عباده، وحجة الله في عصره كان إمامنا الصادق (ع) والذي شهد بهذه الحقيقة أكابر علماء الأمة الإسلامية ومراجعها من مختلف المذاهب، فأقروا له بجلالة قدره، وعلو شأنه، وعظمة مكانته، وغزارة علمه، فكان بحق وحيد عصره، ومعجزة زمانه.
وإليك بعض النصوص الواردة في شأنه:
جاء في كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة للكاتب أسد حيدر كما ذكر في الجزء الأول ناقلاً أقوال أكابر علماء الأمة الإسلامية وبعض حكامها منها:
ما نقله عن المنصور الدواينقي والحاكم من خلفاء بني العباس والعدو الأكبر للإمام الصادق (ع) حيث يقول:
إن جعفراً كان ممن قال الله فيه: [ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا] وكان من اصطفاه الله وكان من السابقين في الخيران وإنه ليس من أهل بيت إلا وفيهم محدث وإن جعفر بن محمد محدثنا اليوم.
وقال مالك بن أنس إمام المذهب المالكي: جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصلٍ وإما صائم، وإما يقرأ القرآن. وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً.
وقال عمرو بن المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين.
وقال أبو حنيفة إمام المذهب الحنفي: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد.
وقال أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: جعفر بن محمد الصادق هو: ذو علم غزير وأدب كامل في الحكمة وزهد في الدنيا، وورع تام عن الشهوات.
وقال العرماني في تاريخه: الإمام الصادق كان بين أخوته خليفة ابيه نقل عنه من العلوم ما لم ينقل عن غيره، كان رأساً في الحديث، روى عنه يحي بن سعيد، وابن جريح، ومالك بن أنس، وابن عبينة، وأبو أيوب السجستاني.
وقال الحافظ أبو حاتم: جعفر بن محمد ثقة لا يُسأل عن مثله وقال كما الدين محمد بن طلحة الشافعي: جعفر بن محمد هو من علماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمة، وعبادة موفورة، وأوراد متواصلة، وزهادة بينة، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه، يقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذاكر بالآخرة واستماع كلامه بزهد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة، وطهارة أفعاله تصدع أنه من ذرية الرسالة، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأمة وأعلامهم، مثل يحي بن سعيد الأنصاري، وابن جريح ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأيوب السجستاني، وغيرهم وعدوا أخذهم منه منقبة شرفوا بها، وفضيلة اكتسبوها، وقال الحسن بن علي الوشاء:
أدركت في هذا المسجد [يعني الكوفة] تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد.
وقال عبد الرحمان بن محمد الحنفي البسطامي: جعفر بن محمد ازدحم على بابه العلماء، واقتبس من مشكاة أنواره الأصفياء، وكان يتكلم بغوامض الأسرار، وعلوم الحقيقة وهو ابن سبع سنين.
وقال أبو بحر الجاحظ: جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه. ويقال: إن أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب.
وقال ابن حجر العسقلاني: جعفر بن محمد فقيه صدوق.
"الإمام الصادق والمذاهب الاربعة ـ ج 1 ـ ص ـ 53/ 54/ 55.
وعن الحافظ أبي نعيم الأصبهاني أنه قال: إن جعفر الصادق حدث عنه من الأئمة والأعلام: مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وابن جريح وسفيان بن عيينة وعد ثمانية غيرهم، وقال: أخرج عنه الإمام مسلم في صحيحه محتجاً بحديثه.
وقال الشيخ المفيد:
برز جعفر الصادق (ع) على جماعة أخوته بالفضل، وكان أنبههم ذكراًَ وأعظمهم قدراً، وأجلهم في الخاصة والعامة، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا روي أهل الآثار ونقله الأخبار عن أحد منهم كما رووا عنه. فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقاة على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف.
وروي عنه رأوا واحد وهو أبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث. (المجالس السنية ـ ج 5 ـ)
أقول: بعد هذا لعرض الموجز عن شخصية الإمام جعفر الصادق (ع) أليس من حق السائل المنصف أن يسأل ويقول: إذا كان لهذا الإمام العظيم من أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله تلك المنزلة الرفيعة والمكانة المرموقة عند المسلمين ـ على اختلاف آرائهم ومذاهبهم ـ فلماذا لم يكن لمذهبه الذي هو من مذهب أئمة أهل البيت (ع) كافة من الشهرة كما اشتهرت بقية المذاهب الإسلامية، وخصوصاً في الأزمنة اسابقة إبان حكم الدولة الأموية والعباسية وما بعدهما، مع أننا نعلم يقيناً بأن الرسول محمد صلى الله عليه وآله أوصى أمته بالتمسّك بالكتاب الكريم (القرآن) والعترة الطاهرة من ذريته، كما جاء نص الحديث في الكتب المشهورة والمعبرة عند المسلمين كافة وقد جاء في صحيح الترمذي بسنده عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بن لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. (ج 2 ـ ص 308ـ فضائل الخمسة من الصحاح الستة).
لماذا تجاهلت الأمة الإسلامية مذهب الشيعة الإمامية طيلة قرون من الزمن مع أننا نتعبد بالأخذ من القرآن الشريف وعترة النبي (ص) وناخذ عنهما أحكام ديننا ولا نتبع غيرهما في حياتنا؟ ولماذا ينبنا بعض المسلمين ـ هداهم الله تعالى ـ إلى ما نحن منه براء من الكفر والضلال والانحراف أليس في ذلك مخالفة صريحة وواضحة لقول النبي (ص) وافتراء عظيم وبهتان كبير على تلك الطائفة التي تحمل اليوم همّ الإسلام، وهمّ الأمة الإسلامية بكاملها، وحب المسلمين والسهر على مشاكلهم والتخفيف من آلامهم ومعاناتهم.
والجوب: إن الأمر واضح فقد كانت السلطة الأموية ضد أهل البيت ومن أشد المحاربين لهم. فأبو سفيان حارب النبي (ص) حتى عجز عن مقاومته ودخل في الإسلام مكرها، وولده معاوية حارب علياً أمير المؤمنين وسن بدعة كبيرة وهي سب علي (ع) على المنابر، وسم ولده الحسن (ع) ويزيد بن معاوية قتل الحسين بن علي (ع) ولاحقت السلطة الأموية ومن بعدها الدولة العباسية أئمة أهل البيت وأتباعهم تحت كل حجر ومدر فقتل حجر وأصحابه بأمر معاوية لعدم براءتهم من علي أمير المؤمنين (ع) وقتل ميثم التمار وغيره لأنهم من شيعة علي (ع) وسجن آخرون في أقسى الظروف بسبب ولائهم لأهل البيت (ع) وعذب الكثيرون بسبب ذلك حتى يمكن اقول بأنه مشيئة الله سبحانه وعنايته لما بقي شيعي على وجه الأرض ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
فهذا هو السبب من تباعد بعض المسلمين عن مذهب أهل البيت فهل من صحوة وتأمل وتدبر، نعم إن عصرنا يشهد تطوراً مذهلاً وعجيباً في هذا الموضوع. فبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران على يد المصلح الأكبر الإمام الخميني (رحمه الله) وإعلان المذهب الشيعي الإمامي الإثني عشري هو دستور الجمهورية الإسلامية، وبعد إعلان مبدأ الوحدة الإسلامية بدأ علماء الأمة الإسلامية يلتقون بإخوانهم من علماء أهل البيت (ع) وينفتحون على آراؤهم وأفكارهم وبعد نجاح المقاومة الإسلامية الشيعية في جنوب لبنان رأينا وسمعنا العديد من الأخوة المفكرين من سائر المذاهب الإسلامية الذين لم يتبعوا أهوائهم، ولا انقادوا إلى التعصب المذهبي، وإنما أرادوا التوصل إلى ما هو الحق الذي يقربهم من الله تعالى في الدنيا والآخرة، وإلى ما فيه أمنهم وسعادتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون.
رأينا أمثال هؤلاء المتجردين عن الأهواء والتقاليد والتعصب يدخلون في مذهب أئمة أهل البيت (ع) لا طمعاً في مال، ولا حباً بمنصب، ولا رغبة في حطام أو متاع، وإنما أتباع للحق، وإرضاء للخالق العظيم، وإطلاق العنان للبحث والفكر والتجرد.
نسأل الله تعالى أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى ويجنبنا الضلال والإنحراف عن جادة الصواب إنه هو العزيز الوهاب.
إمام بلدة
الطيبة فضيلة الشيخ حسين قازان