بسمه تعالى
الوحشية
والصمود - حرب تموز 2006
كم كنا نسمع بالحرب بين الدول وشاهدنا
بعض صورها، ورأينا بعض آثارها ولكن مثل تلك الوحشية الإسرائيلية لم نكن نتوقع في
هذه الحرب المحدودة من حيث المكان والآلة التي تواجه إسرائيل، وهي آلة المقاومة
المتواضعة بالنسبة لآلة الحرب الصهيونية الضخمة الفتاكة. والأمر المستغرب في
المقام ليس هو مواجهة رجال المقاومة المواجهين الصامدين في مقابل أعتى قوة تتبناها
وتغذيها جبروت الإدارة الأمريكية والمتمثلة بإدارة هتلر هذا العصر الرئيس الإرهابي
الكبير جورج بوش. إنما الأمر المستغرب هو مواجهة تلك القوة الإسرائيلية التدميرية
للأهالي الآمنين الذين لم يحركوا ساكناً في محاربة اليهود وإنما قابعون في داخل
بيوتهم خائفين مذعورين من جراء أصوات صواريخ الطائرات التي تقذفها الآلة العاتية،
فتدمر بيتاً هنا، وتهدم آخر هناك على ساكنيه من أطفال وشيوخ ونساء دون رحمة أو
شفقة، فتقطع الأعضاء وتخمد النفوس (وبناية من عدة طبقات هناك) الحية وتحولها إلى
ركام في جانب القوة الإسرائيلية الغير المتكافئة مع قوة المقاومة البسيطة.
إنها القوة العاتية الصهيونية الأمريكية
الأوروبية بغالبيتها التي لا تميز بين البشر والشجر والحجر فحرمتنا الحاء والضياء
والغذاء إلا ما بقي في منزل هنا ومنزل هناك وأغرب ما في هذه الحرب التي جرت في
الثاني عشر من تموز سنة 2006مع انها قطعت أوصال المناطق في لبنان فقصف طيرانها
الجسور والشوارع العامة ولم يفرقوا ولم يميزوا بين مصالح المقاومة والأهالي العزل
فجعلوا الناس في سجن عام، بل من أشد وأكثر غرابة، وأفظع حقارة ما فعله
الإسرائيليون حينما كانوا يوجهون إنذاراً لبعض القرى بمغادرة سكانها وحينما يخرجون
منها يتعرضون للقصف المهلك الذي لا يبقى أثراً لأي حي كما حصل مثل ذلك في بلدة
مروحين التي قتل فيها ما يزيد على عشرين شخصاً.
هذه صورة موجزة ومصغرة عن آلة الحرب
التدميرية الإسرائيلية في مواجهة الناس الآمنين العزل، ولو كان لديهم شيء من الدين
والعقل والإنسانية لقصروا مواجهتهم على المحاربين في أماكن تواجدهم، وعلى مراكزهم
ومقراتهم. ولم يتعرضوا للأهالي الآمنين العزل. ولكن أنّى لهذا الشعب الذي يعتبر
نفسه أفضل الخلق، وأحباء الله، وشعب الله المختار، وإن كان فيهم البعض ممن لهم
شعور نحو الآخرين من دعاة السلام وربما من غيرهم الذين لا يرضون بأعمال إسرائيل،
ويعارضون جرائمها ومطامعها كما نسمع.
ومن الأغرب والأعجب في هذه الحرب وفي
غيرها وجود الإدارة الأمريكية المتمثلة برئيسها بوش وأعوانه الطغاة الإرهابيين بل
رؤوس الإرهاب في العالم، المتعطشين لسفك دماء الأبرياء ممن يخالفونهم في آرائهم
ومذاهبهم، فالحق والخير والصلاح ما رأوه وقالوا واختاروه، والباطل والشر والفساد
كل رأي يخالف رأيهم، وكل إنسان لا يؤيدهم بأفكارهم ومعتقداتهم، لا يتمسكون بدين،
ولا يرعوون عن غي ومنكر، ولا يخشون الله تعالى في قول ولا في فعل، ولا يخافون سوء
عاقبة مصيرهم ومرجعهم إلى خالقهم بعد موتهم، بل ولا يخافون نقمة ربانية عاجلة كما
فعل الله سبحانه بالطغاة في العصور الماضية كما كانت عاقبة هتلر وصدام وشارون
وغيرهم الكثيرون الكثيرون الذين أحصاهم الله القاهر، وجعل أرواحهم في العذاب
الأليم إلى يوم الدين يوم يقوم الناس لرب العالمين.
هذه صورة موجزة عن الإرهاب الصهيوني،
والإرهاب الأمريكي، وهو غيض من فيض وقليله يغني عن التفصيل، ولا نهاية لهذا
الإرهاب حتى يأذن الله العزيز بهلاك هذه الدولة كما أهلك الله القادر من قبلها من
الدول الظالمة، والأمم الكافرة الجائرة وصدق الله سبحانه حيث يقول: [ألم تر كيف
فعل ربك بعاد إرم ذات العمار التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا
الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب
عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد] الفجر.
فهل يرعوي بوش وألمرت رئيس الوزراء
الإسرائيلي وأضرابهما عن غيهم، ويرجعون إلى ربهم بالإنابة والتوبة ورحمة العباد
والبلاد، أم يصرون على ما هم عليه فيبغتهم الله بعذاب من عنده، ويسومهم سوء العذاب
وشر المآب.
أما الصمود فلا يعرف حقيقة إلا من شاهد
الصامدين، وعاش معهم، وذاق بعض ما ذاقوه، وأحس بما أحسوه. والصمود له معنيان: صمود
الأهالي، وصمود المقاتلين فالمقاتل قادم على الجهاد، يتوقع الموت والشهادة بين حين
وآخر، ويعرف أساليب الفر والكر والتقدم والتأخر، والهجوم والدفاع، ومتدرب على
وسائل الحرب، فهو مهيئ نفسه لكل ما يطلب منه في المعركة، ومحظر نفسه لكل التوقعات
من الحياة والموت، والحرب والسلم، والنفع والضر، والربح والخسارة، والإنكسار أو
الانتصار.
فصموده صمود الإنسان الذي يشري نفسه
ابتغاء مرضات الله يشاهد من يقتل أمامه من أخوانه المجاهدين، أو يجرح، أو يعالج
سكرات الموت، ينتظر فراق الدنيا لحظة بعد أخرى، ويهنئ نفسه بالشهادة العظمى التي
هي منتهى الكرامة في هذه الحياة، وبداية السعادة حين خروج روحه ليلتقي بأحبته من
أولياء الله تعالى وأحبائه في عالم البرزخ في الآخرة فكيف تكون حالته النفسية؟
وكيف يصبر على مثل ذلك الوضع الذي يعانيه؟ وأي قلب يحمله في صدره ذلك الإنسان
الصامد المجاهد؟ وأي عقل يصمم على البقاء في ساحة المعركة رغم كل الاحتمالات
والتوقعات، بل على الرغم مما يشاهدونه أحياناً من قتل اخوانهم، وتمزق أجسادهم،
وصمود أرواحهم شهداء إلى عالم القدس والملكوت فلا هروب من القتال، ولا تقهقر عن
ساحة النزال، على الرغم من التفاوت الكبير بين آلة الحرب المحدودة المتواضعة التي
يمتلكها أولئك المجاهدون الصامدون، وبين آلة الحرب الإسرائيلية الكبيرة الحديثة
المدمرة من الطائرات والدبابات والصواريخ المختلفة وغيرها كل ذلك لم يمنع ذلك
المجاهد من البقاء في المعركة دون أي تردد أو ملل أو كلل، وربما بلا وجل.
فما هو سر ذلك الصمود الذي يمثله ذلك
الإنسان المجاهد الصامد؟ وما هو شر ذلك التحدي الذي يصوره جهاده وصموده؟ وما هو سر
ذلك البقاء الذي يعيشه ذلك المقاتل بأضعف الوسائل قياساً لما يمتلكه العدو من أحدث
وسائل الحرب وأقواها أثراً، وأشدها فتكاً وضرراً؟ إنه الإيمان بالله تعالى وبرسله
وباليوم الآخر، الإيمان برسالة خاتم الأنبياء محمد صلوات الله عليه وعلى آله، وبما
جاء به من عند الله رب العالمين.
الإيمان الذي يتعمق في النفوس، فلا
يشوبه شك، ولا يخالطه ارتياب. إنه الإيمان أيضاً بعدالة قضية ذلك المؤمن المجاهد
الذي يتيقن من صواب رأيه وأحقية مسألته، فهو الموقت بمظلوميته، وبظلم عدوه الجائر
الغاصب المعتدي ولا شك أن الإيمان بالله له الأثر الأكبر في اندفاع المقاتل نحو
عدوه، وفي صموده في أرض المعركة لمواجهة كل الصعوبات وكل التوقعات كما علمها ذلك
من شهداء المقاومة كما أن الإيمان بعدالة القضية هو الآخر له كبير الأثر في حماس
المجاهد، وفي صبره وتحمله مهما كانت النتائج، ومهما كانت العواقب.
وقد اجتمع كل من الإيمانيين مع
المقاتلين من أبنائنا وأخواننا في حزب الله المؤمنين بالله تعالى الواثقين بوعده
في إثابة المجاهدين، وحسن العاقبة للمقاتلين الذين يقاتلون في سبيل الله ويرجون
ثوابه. وقد تحقق كل ذلك في وقوف اخواننا المجاهدين الصامدين في معركة مارون الراس
وعلى أطراف بلدة بنت جبيل وعيترون والطيبة ومركبا والخيام وغيرها من القرى كما
تحقق صمود المسعفين الذين يبذلون كل ما في وسعهم وكل إمكاناتهم في إيصال المؤن
وتقديم المساعدات العينية من مأكل ومشرب ودواء، وتقديم المساعدات المادية من مال
ونقود، ومن تأمين اللازم لهم من مسكن وفراش، وهؤلاء لهم الأثر الفعال في إنقاذ
حياة من بقى من الأحياء من أطفال وشيوخ ونساء. أما صمود الأهالي الذين يعرضون
أنفسهم لتحمل أعباء الحرب من خوف وإرهاب وقتل وتشريد وجوع وعطش وحصار ودمار حفاظاً
على أرضهم وأملاكهم وهم يعلمون عدوهم الشرس الذي لا يبالي بأرواح الأبرياء، ولا
يقيم وزن للحجر والبشر على حد سواء، ولا شك أن كثيراً من الأهالي قد فروا هرباً من
إسرائيل ووحشيته يبحثون عن مكان أمن هنا وهناك، ولكن بعضاً منهم ربما عجزوا عن
الخروج من ديارهم إما لفقد واسطة النقل، أو لتعذر الخروج عليهم خوف الموت، أو
لانقطاع الطريق وانعدام السبل بسبب ضرب الجسور والطرق التي تؤمن لهم الخروج عن
أوطانهم، وعدم تمكن المنظمات الإنسانية من الوصول إليهم، وإيصال المساعدة لهم
وإنقاذ حياتهم.
ولعل أجلى صورة تجلت فيها وحشية العدو الإسرائيلي
المجازر التي ارتكبتها في أكثر من مكان، وكان أولها بلدة الدولة حيث قتل فيها في
بيت واحد عائلة كاملة مؤلفة من عشرة أنفس أو أكثر وتلتها مجزرة قانا والشياح
ومجازر ومجازر في عدة قرى ومدن وأرجو أن تكون هي الأخيرة مجزرة قانا الثانية والتي
ذهب ضحيتها ما يزيد عن خمسين شخصاً من الأبرياء العزل وقد شاهد أطفالها ونساءها
العالم العربي والغربي والذي مات فيهما ضمير الحكام خوفاً من طاغية هذا العصر
الإرهابي الأول بوش، فخرست ألسنتهم عن النطق بكلمة الحق، وصمت آذانهم عن سماع أنين
الجرحى ودموع الثكالى والمفجوعين بأهليهم أحبتهم، وكأنهم عمي العيون فلا يشاهدون
تلك الجثث لعشرات الأطفال والأبرياء فلا يحرك كل ذلك مشاعرهم الغائبة، وضمائرهم
الميتة، وأحاسيسهم المفقودة فأي صمود مثله أولئك الشهداء المظلومين الذين قتلوا
مرتين: الأولى بسكوت الحكام وتواطؤهم مع العدو الأمريكي والصهيوني، والثانية: بقصف
العدو الإسرائيلي أماكن تجمعهم في بعض الأماكن الصغيرة وهم يلوذ بعضهم ببعض خائفين
مذعورين ينتظرون قدرهم وساعة موتهم وقتلهم على أيدي أعداء الإنسانية وقتلة
الأنبياء والأبرياء.
هل تسل عما جرى في قانا فانظروا التلفاز يعطيك البيانا
كم رأينا مشهداً ومنظراً منه قلب الحر قدا ذاب هوانا
هل لقومي صحوة عاجلة فيعود النصر للناس عيانا
يا حماة الدين هبوا للوغى واملأوا أرض العدى نيرانا
إمام بلدة الطيبة فضيلة
الشيخ حسين قازان