لـبـنـان - قصة لن تموت

بيتي في الضاحية الجنوبية الذي دمرة العدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان في تموز 2006

 

حرب قاسية مريرة لا اعلم كم ستطول مدتها، أعيشها دون خوف أعيشها مع دمعة ساكبة منتظرة في كل لحظة من يحركها بكلمة وبسؤال عن شيء واحد، عن مكان عشت وترعرعت فيه فترة مرحلة حياة بكاملها، مكان كنت دائما أعود إليه بعد كل حرب ومأساة ، مكان بقي صامدا حتى حرب تموز 2006، هذا المكان هو منزلي الكائن في بيروت العاصمة عاصمة لبنان بلدي الحبيب، العزيز، الجريح والمكسور الخاطر. منزلي هذا كان مملكتي في الضاحية الجنوبية في حارة حريك. لم اكن لأصدق أن ساعات الوداع قد حانت إلى الأبد، حاملة معها مرحلة من أهم لحظات النشأة والطفولة والشباب والمراهقة. منزل لطالما حلمت فيه احلام اليقظة، كل ركن فيه له عندي في قلبي معنى وذكرة وحنين لا يوصف انا لا اقصد هنا الامور والاشياء المادية بقدر ما انا اشدد على اهمية الاحساس المعنوي والحنين الى منزل العائلة منذ زواج والدي ووالدتي، هذا ما قصدته.....

 

حرب قاسية مريرة لا أعلم كم ستطول مدتها، أستغرب أمور مع غربة مرة:

 ألا تلاحظون أن المرارة تعلم وتكون بمثابة إختبار للتمييز بين الأصدقاء الحقيقيين وبين الآخرين المزيفين.

إن من الشدة ليتبين المرء بأفعاله وليس بأقوال يتفوهها وقت الراحة والأمان.

 

علمتني هذه الحرب الشريرة، المرة، القاسية والمرعبة، علمتني أن الأخ هو في المعاملة وليس في الدم أي رابط صلة القرابة والعائلة.

علمتني أن اخلع ثوب البرجوازية وقت اللزوم.

علمتني أن اكون أقوى من السابق.

علمتني أن لا أخجل من طلب المساعدة التي نستحقها.

علمتني أن أتقبل الحرمان والسلبيات.

علمتني ان أتحمل مسؤولية أكثر من المسؤوليات الكثيرة التي تحملتها في السابق والتي كانت على عاتقي في السابق.

علمتني أن المشوار أي مشوار الحياة سيكون منذ الآن فصاعدا طويلا وصعبا مفعما بالصعوبات والمنحدرات.

علمتني أن الدوائر والبلايا التي تحل بي يجب أن تقويني لا أن تضعفني.

علمتني أن أعبر أكثر بالكلمة ونطلق الحرية للسان دون خجل أملا بالمساعدة والعون...

علمتني أن أستخدم أفكاري أكثر فأكثر.

علمتني أن أنسى الهموم وأتذكر الأمور المهمة.

علمتني أن أستخدم الأمور البسيطة في الحياة لأجعل منها أولويات الحاجات.

علمتني أن الحاجة أم الإختراع.

علمتني أن أفكر وأحسب حساب بكرا، غد...

علمتني أن اعتمد على نفسي أكثر من ذي قبل.

علمتني أن أتقبل أن أطلق على نفسي صفة مهجرة الى أجل مسمى....

علمتني ان اصبر على الالم واستمر بالتفاؤل والطموح........

علمتني ان اكون دائما ابنة هذا الوطن الصامد المرفوع الراس....

فيا عجبا لهذه الحرب التي لم تنتهي بعد وتعطي دروسا في الحياة.!!

 

إن الأيام تمر بسرعة-------- طبعا ايام الفرح. أما فيما يتعلق بأيام الحزن فلا شك أنها تمر ببطء شديد ولكن لا أعرف لماذا احسست في بداية الحرب بطول المدة أمام اليوم وبعد مرور حوالي 27 يوما تقريبا شهر، شعرت أن الحرب دامت اكثر بكثيرمن شهر، شعرت أنها لن تطول، كنت أقول في نفسي كل يوم بعد يوم: لا، سوف تنتهي في هذه اللحظة ولن تطول، فإلى متى تستمر وعلى حساب من ومن المستفيد من دماء الأبرياء والأطفال والنساء والمساكين من من من ؟؟!!! أسئلة لا تلقي جوابا ولو لقيت جوابا لما تحرك أحد لوضع حد لوقف الحرب.

 

وحدها في هذه اللحظات وفي هذه الأيام وفي هذه الساعات كانت مؤنستي في وحشتي هي كانت تشعرني باليأس حينا وبالصبر احيانا، كانت دليلي لغد وشبيهتي في حالي الا وهي شمعتي التي كانت تؤنسني في وحشتي. تركت في نفسي تأثيرا كبيرا مع كل صوت للقنابل كانت دائما تسطع بالنور، حكموا على بلدي لبنان بالعودة الى الوراء الوراء وراء الظلمات من أمام النور، وراء الجوع من أمام الشبع، وراء الشقاء من أمام الراحة...

فانسلخ من بين صورتين لا شبيه بينهما.

أروني ماذا إستفادوا من جرح بلدي لبنان الحبيب الغير قادر على التحمل، هذا البلد الغالي الذي لا يستاهل ولا يتحمل مرارة المرض والسقم.

أروني ماذا حققوا من خلال تدمير بلدي لبنان الحبيب الغالي!؟

لا جواب إلا الدمار والخراب والدماء، هنا تعجز الكلمات وتتواضع العبارات وتصمت الجمل وتسكن الاصوات عن التعبير فتصبح الصورة أصدق وأدق تعبير، فتصبح تعادل الف كلمة...

وتبقى كلمة كفى تحوي 3 حروف متضمنة ملايين المعاني لوقف المعاناة عن الوطن.

وتبقى فتاة لبنانية تدعى دانيا ايوب تئن في ليل الحزن وتصبر بقراءة القرآن الكريم وبالصلاة من اجل الرحمة وبكتابة فصول القصة أي قصتي التي سوف لن تنتهي فصولها بانتهاء الحرب بل ستبقى تدون نشاة وطن في ربيع عمره.

أعود بعد كل ذلك لأقف على باب ومنارة تؤكد لي أن رب العالمين وحده يحقق كتابة عمر جديد لوطني، وحده يحميه ويقويه في محنته، وحده يعطيه الصبر ويدفعه الى الأمام، وحده ينجيه من الشر والضرر، وحده يسانده في محنته...

ذلك لأن الثقة بالله أكبر من اي ثقة والتي تحمل في طياتها منافع شتى وفوائد لا تحصى، وآمال في غد مشرق براق، ومحاسن الطبيعة الخلابة، وجاذبية الحياة السعيدة المترفة.

لا تبك أيها القلب ولا تشقى، فحلمك ليس بصعب على الرب ولا مستحيل، ٍ اصبر صبرا جميلا، وهون عليك واجعل ثقتك بربك كبيرة وادعو الله مخلصا له الدين.

فكل ما يحز في قلبي انما هو الحنين فقط الى الماضي وليس الندم على الماضي لأن الماضي لن يعود الى الوراء ولو عاد فلن يعود كما كان، بل سيعود بالجراح والبكاء والأسى والندم، لذلك أشعر انه علينا التفكير بغد مشرق وتطلع الى ما بعد الحرب طبعا بعد الاتفاق على وقف اطلاق النار.

حليا بنا ان لا ننسى المآسي ولكن الاجدر بنا الانطلاق في الوقت نفسه الى الامام وعدم الجمود امام المحن.

اعلم يا لبنان ان كل حبة من ترابك الغالية العزيزة تعني لي الكثير الكثير من العزة والكرامة، اعلم يا لبنان ومع كل الدمار الذي حل بك، ومع كل الشهداء الشرفاء الذين سقطوا دفاعا عنك عن العزة والكرامة والجبين العالي والمرفوع الراس،ومع كل المآسي التي حلت بالذين ظلوا على قيد الحياة من تهجير وتشريد وقسوة وصعوبة في التأقلم مع واقع الحياة المرير والتهجير والبطالة ، ومع كل الجروح التي حلت بأبنائك من اوجاع وامراض وآلام، ومع كل آهات الامهات وصراخ الاطفال وانين الاحبة وتعب الاصوات والمناجاة والنداءات والعواصف القاسية التي المت بكل جزء منك يا وطني الحبيب الغالي،   اعلم انك ستبقى اجمل بلد في العالم، اعلم انك زينة الكواكب في الفضاء، اعلم انك اقوى بلد في العالم، اعلم انك شجاع بشجاعة ابطالك ومواطنيك اعلم انك تستطيع النهوض لانك طموح من داخلك، اعلم اني لن اتخلى عنك، اعلم انك في نظري بلدي الذي اراه اجمل بلد في العالم، واعلم ان ابناءك الذين هم مسافرون في الخارج لاسباب شتى، سيأتي يوم ويوعدون اليك ولو بعد حين، اعلم انهم سيعودون اليك ليزيدوك غنى فوق غناك، اعلم انك بالنسبة لي اغنى ثروة لي في العالم اجمع، اعلم ان الثروة التي تملكها ولا يملكها سواك هى غناك بالعزة وبالكرامة وبالشجاعة، وبكل معاني السمو والرفعة والطموح، اعلم ان شعبك شعب لا يموت بل ينهض من المأساة، ينهض ليستمر، اعلم انك قوي تستمد قوتك من استمرار الحياة على الارض، اعلم انني افتخر بك دائما وابدا، اعلم ان العالم اجمع شهد لك بالشجاعة والتصدي والتحدي امام العدوان، اعلم ان العالم اجمع اندهش في بداية الحرب من قدرتك على الصمود، اعلم انك واجهت بشجاعتك وباتكالك على رب العالمين، اعلم ان العالم اجمع اعترف لك انه عاجز على مقاومة الاحتلال، اعلم انك اعطيت العالم اجمع دروسا في الدفاع عن العزة والكرامة، اعلم انك اصبحت نموذجا يحتذى في الراس المرفوع وفي الصمود، اعلم ان العالم يحسدك على ما انت عليه رغم كل الدمار فأنت كما كان يقول المتنبي : انت مما شاك منه محسود.

اعلم بعد كل شيء انك انت وطني انت وطني وحدك وطني الذي بداخله وفيه وبقربه اشعر بالعزة والكرامة وانه ببعدي عنك سوف لن اجد نفسي ابدا وسوف لن ارى الا الهوان والذل، اعلم ان كل ما فيك جميل من الداخل ومن الخارج، جمال رباني، جمال لا يشبهه جمال، انت بقعة جميلة من البقع النادرة الوجود وكأنك جنة السماء على الارض.

يا حبيبي يا وطني لا اشعر في هذه اللحظات الا بالبكاء. لا تبكي العين فقط بل القلب يساعد العين على ذرف الدموع واي دموع هي دموع الثقة ببلدي الحبيب، والى كل الشرفاء الاعزاء رسالة من قلبي اليكم اعيدوا للبنان تراثه الشامخ، لا تدعوا العدو يسلبه شيء، لا تهاجروا طويلا لا تهاجروا وتنسوا لبنان الحبيب، فلبنان بحاجة الى كل واحد منا منا منا نحن شعب القوة والعزة والكرامة والصمود، لبنان بلد يستحق منا ان نقدم له الكثير الكثير فيكفي اننا لبنانيون المتمتعون بالثقافة والعلم والدرس والانفتاح والحوار، نحن ابناء لبنان نستطيع ان نخرج من الدمار ومن المحن واعلم يا لبنان مهما طال غياب ابناؤك فهم لن يظلوا طول العمر بعيدين عنك كل البعد، فمصيرهم الى بلدهم الحبيب لبنان العزيز الغالي.

هذه رسالتي علها تعالج الجراح والآلام. علها تفيد في البحث عن التفاؤل والطموح. علها تكون صرخة حب الوطن العزيز الغالي عالي الجبين. علها تكون تاج الراس.

 

دمت يا لبنان لي وللمواطنين الشرفاء.

 

شكرا..................... شكرا لصمودك يا حبيبي يا وطني.

كتبت في حرب تموز 2006 الغاشم على لبنان

              بقلم : دانيا أيوب