بسم الله الرحمن الرحيم

الجمعة: 20/3/1429هـ

28/3/2008م

 

خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.

 

حق الله تعالى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول الإمام علي بن الحسين عليهم السلام في رسالة الحقوق: "فاما حق الله الأكبر فإن تعبده لا تشرك به شيئاً، فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب.

رسالة الحقوق لإمامنا السجاد (ع) فيها عدة حقوق، ويذكرها الإمام (ع) ويبينها بعبارات موجزة، ولكنها ببلاغتها قد تعد معجزة، فهي تعطي البيان حقه، وتؤدي المعنى على الوجه المطلوب والمحبوب.

وبما أن الإنسان مخلوق ضعيف، فهو محتاج إلى غيره طيلة حياته، ليعيش الحياة الكريمة كإنسان سوي مستقيم، ويستحيل عليه الاستغناء عن الآخرين وخصوصاً وعلى وجه التحديد ربنا وخالقنا ورب العالمين.

فإذا كان لأحد من الناس فضلاً بسبب خدمة أداها لنا، أو لمعروف قام به تجاهنا فأصبح بذلك له حق علينا مما يلزمنا مقابلة معروفة وإحسانه بالحمد والشكر، فإن الله مولانا وخالقنا ومنعمنا له علينا كل الحق، وكل الفضل وكل الحمد والشكر، وهذا ما صرح به الإمام السجاد (ع) بقوله: :"فأما حق الله الأكبر فحقه سبحانه أكبر من كل حق، وأعظم وأجل من حق أي مخلوق سواه. ويبين (ع) بعد ذلك ماهية حق الله تعالى علينا فيقول: فإن تعبده لا تشرك به شيئاً فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة، ويحفظ لك ما تحب".

والعبادة بمعناه الشامل الكامل إنما تعني الطاعة لله تعالى في كل ما أمر به، والترك لما نهى عنه، وهي الغاية من خلقنا وإيجادنا في هذه الحياة. كما صح بذك القرآن الكريم بقوله جل شأنه: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] الذارايات ـ 56.  فهذه الطاعة هي حق لله سبحانه علينا لأنه هو خالقنا ورازقنا ومحيينا ومميتنا ومحيينا يوم القيامة ليثبت الممنين المطيعين الشاكرين بالجنة والنعيم الدائم، والحياة الخالدة، وليعاقب الكافرين العاصين الجاهدين لربهم بنار الجحيم والشقاء الأبدي.

ومع كل ذلك فهو سبحانه سخر لنا ما في السموات وما في الأرض، وأسبع علينا النعم الكثيرة التي لا تحصى، ولم نخل لحظة واحدة في حياتنا من فضله وإحسانه وألطافه، ألا يستحق منا الطاعة والشكر على نعمه الجليلة مع أننا في تعاملنا مع بعضنا لا ننسى فضل من يؤدي لنا بعض الخدمات ونبقى طيلة عمرنا شاكرين لإحسان بعض من أحسنوا إلينا، مع أن أي نعمة وأي إحسان إنما المهيأ له والميسر له هو الله عظمت آلاؤه على ما نطقت به بعض الآيات الشريفة: [وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم] النحل ـ 18 . وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ـ 53. ثم إن الطاعة التي يريدها الله تعالى منا، والتي تعطي تلك الثمار المرجوة، وتؤدي إلى النتيجة التي يذكرها الإمام (ع) هي الطاعة الخالصة لله سبحانه، ولذلك قال (ع): "فإذا فعلت ذلك بإخلاص" فما لم تكن الطاعة على هذا النحو وإنما دخل فيها الرياء والشرك، فلا تكون تلك العبادة مقربة من الله العزيز الحكيم، ولا يرجى منها حينئذٍ الحصول على الفائدة المرجوة في الدنيا والآخرة، لعدم توفرها على الشروط المطلوبة.

وإذا قام العبد بما يتوجب عليه أداء لحق مولاه العلي العظيم من العبادة الخالية من الشرك، والخالصة لوجه الخالق الكريم، فإنه جل وعلا جعل لعبده على نفسه المقدسة، وألزم ذاته المتعالية أن يكفي عبده الضعيف الفقير الذليل العاجز أمر الدنيا وما فيها من الفتن والمحن والبلاء ويوصله إلى حاجاته التي تهمه وتصلح شأنه، وكذلك يكفيه أمر الآخرة وما فيها من التعاسة والعذاب والشقاء، ويعطيه ما يحب من العافية والنعيم والسعادة الدائمة مع الأولياء والصالحين.

هذه الحياة الحقيقية للإنسان المؤمن التي تضمن له الأمن والإطمئنان في كلا الحياتين، وهل هناك سعادة وراء ذلك لمن ينحرف عن الله ويطيع هواه، ويغتر بما أخذ من دنياه من مال يزول، وجاه لا يبقى، وعمر يفنى، وشباب يبلى، ثم يأتيه الموت وما بعد الموت أعظم وأدهى.

 

نسأله سبحانه أن يجعلنا من المطيعين له بإخلاص كما يحب ويرضى، وأن يختم لنا بحسن العاقبة، ويجعل مثوانا قربه ورضاه إنه سميع الدعاء قريب مجيب.