بسم الله الرحمن الرحيم
الجمعة ـ 23 ـ ج2 ـ 1429هـ
27 ـ 6 ـ 2008م
خطبة
الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد
(ع) الطيبة – جنوب لبنان.
علة وجوب الصلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مما لا ريب فيه ان
الصلاة اليومية واجبة على كل مسلم ومسلمة قد بلغا سن التكليف، وقد نص على ذلك
القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، قال تعالى: [وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة
وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير] البقرة ـ 110
ـ وقال: [وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر] ـ العنكبوت ـ 45.
وقال الإمام الإمام
أبو جعفر محمد الباقر (ع): "بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة،
والزكاة، والحج، والصوم، والولاية". وسائل الشيعة ـ ج1 ـ 7.
ومعنى الولاية في هذا
الحديث هو: التولي بالأئمة المعصومين من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله بحبهم
وطاعتهم. فالأخبار والآيات القرآنية الدالة على وجوب الصلاة وأهميتها كثيرة، وكل
من يقرأ بتدبر أو يستمع للآيات القرآنية الشريفة يعلم ذلك.
ولكن المهم في هذا
الموضوع هو التعرف على العلة والغاية والحكمة من وجوب الصلاة التي أمرنا بها والتي
لها من الأهمية في الإسلام ما لها، بحيث اعتبرها الله سبحانه بأنها تنهى عن
الفحشاء والمنكر، واعتبرها الإمام الباقر (ع) في الحديث المذكور بأنها مما بني
عليها الإسلام فمن ينكرها لا إسلام له، ومن يتهاون بها ويستخف بها يكون بعد موته
من النادمين. وقد روي عن الإمام علي الرضا (ع) حديثاً يبين فيه العلة من فرض
الصلاة علينا من قبل الله تعالى فقال (ع): "إن علة الصلاة أنها إقرار
بالربوبية لله عز وجل، وخلع الأنداد، وقيام بين يدي الجبار جل جلاله بالذل
والمسكنة والخضوع والاعتراف، والطلب للإقالة من سالف الذنوب، ووضع الوجه على الأرض
كل يوم إعظاماً لله عز وجل، وأن يكون ذاكراً غير ناس، ولا بطر، ويكون خاشعاً متذللا
راغباً طالباً للزيادة في الدين والدنيا. مع ما فيه من الإيجاب والمداومة على ذكر
الله عز وجل بالليل والنهار لئلا ينسى العبد سيده ومدبره وخالفه، فيبطر ويطغى، ويكون في ذكره
لربه، وقيامه بين يديه زجراً عن المعاصي، ومانعاً له عن أنواع الفساد، ووسائل
الشيعة ـ ج3 ـ 4.
وهكذا يشرع الإمام
الرضا (ع) في بيان علة وجوب الصلاة: أولاً إقرار بالربوبية لله عز وجل، وخلع
الأنداد، وهذا شيء هام ومهم جداً أن يشعر الإنسان المسلم المصلي بأن الله تعالى هو
ربه وليس الدنيا والدرهم، ولا الحاكم والرئيس، ولا المنفعة والمصلحة، ولا ما سوى
ذلك من الأشياء والأمثال والأنداد التي يتخذها من فرغ قلبه وفكره من الله تعالى،
ويعتبرها إلهاً معبوداً لا يفكر بغيرها، ولا يهتم بما سواها.
وثانياً: قيام العبد
بين يدي ربه الجبار بالذل والمسكنة والخضوع والاعتراف.
وهذه الصفة، وعلى مثل
تلك الحالة من الذل والاستكانة والخضوع والخشوع لله تعالى لا ينالها إلا من عرف
الله تعالى، وأمن به، وأيقن بوجوده، فيقف المؤمن المصلي بين يدي ربه راجياً قبول
عمله، وتحقيق آماله، وقضاء حاجته، وغفران ذنبه وخطيئته، وأما من ضعف إيمانه من لا
يقيم للصلاة وزناً، ولا يهتم بأدائها، ويعرض عن إقامتها، فإنه يصبح قاسي القلب،
ناسياً للرب، همه ما يدخل بطنه، وما يحقق له رغبات جسده عن أي طريق وكيفا كان،
ويضيف الإمام (ع) قائلاً: "والطلب للإقالة من سالف الذنوب" ومن هو الذي لا
يخطئ في حياته، وهل هناك أحد غير المعصومين من الأنبياء والأئمة الطاهرين (ع) فيقف
المصلي أمام خالقه خائفاً من ذنوبه طالباً عفوه.
وثالثاً: ووضع الوجه
على الأرض كل يوم إعظاماً لله عز وجل، وأن يكون ذاكراً غير ناس، ولا بطر، ويكون
خاشعاً متذللاً، راغباً طالباً للزيادة في الدين والدنيا.
ففي وضع الوجه على
الأرض غاية الخضوع والتواضع للخالق
سبحانه، مشعراً بأنه العاجز عن تحقيق أي شيء إلا بقدرة خالقهالذي بيده الخير وهو
على كل شيء قدير. وإذا خشع الجسد مع ذكر الله باللسان والمداومة على ذلك يكون
طريقاً لخشوع القلب، وتعظيم الرب، وتحقيق الأمل.
رابعاً:
مع ما فيه من الإيجاب والمداومة على ذكر الله عز وجل بالليل والنهار، لئلا ينسى
العبد سيده ومدبره وخالقه فيبطر ويطغى، ويكون في ذكره لربه، وقيامه بين يديه زجراً
له عن المعاصي، ومانعاً له عن أنواع الفساد.
فالمداومة
والاستمرار على ذكر الله تعالى كل يوم في الصلوات الخمس وما يتبعها من طهارة
اللباس والبدن والوضوء أو الغسل، وفي الحالات المختلفة في الصلاة من قيام وقعود
وركوع وسجود، وتسبيح وتهليل، وتشهد وتسليم، كل ذلك يشكل علاقة بين العبد وربه،
وبين المخلوق وخالقه، فيشكره عند النعمة، ويفزع إليه عند الحاجة، ويتقرب إليه بالتوبة
عند حدوث الذنب والخطيئة، ويصبح ذاكراً لله تعالى فلا ينساه فيقسو قلبه وتموت
نفسه، فيبطر ويطغى، ويصبح ويمسي مع الغافلين العاصين حتى إذا جاءه الموت انتبه من
غفلته، وحاول التوبة فلا يقبل له عذر، ولا تنفعه ندامة ولا استغفار، وخسر الكرامة
الخالدة مع الأنبياء والصديقين في دار النعيم، وظل مع الضالين العاصين حيث التعاسة
والشقاء ونار الجحيم وشر البلاء، نعوذ بالله تعالى من قساوة القلب، ونسيان الرب،
والاستهانة بالذنب.
قال
تعالى: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن
الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم
الفاسقون لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون] . الحشر ـ
18 – 19 - 20