|
بسم الله الرحمن الرحيم |
|
الجمعة: 16/2/1429هـ |
|
26/1/2008 |
|
|
|
خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة
فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان. |
|
|
|
بعد
ملحمة كربلاء |
|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ |
|
|
|
تحقق حلم الأمويين وأتباعهم بعد يوم عاشوراء،
وسقط الحسين (ع) وصحبه الأبرار شهداء على أرض كربلاء وقطعت رؤوسهم الطاهرة وحملت
من أرض كربلاء كأفضل هدية إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة، وإلى يزيد بن معاوية
في الشام، وعاد ذلك الجيش المنتصر إلى الكوفة وصدق في ذلك قول الشاعر: |
|
اليوم نامت أعين بك لم تنم وشهدت أخرى فعز منامها |
|
|
|
لقد نامت أعين أعداء الحسين (ع) وأعداء أهل بيت
النبوة قريرة العين هادئة النفس بقلوب مطمئنة، ولكن أعين محبي الحق، ومحبي أهل
البيت (ع) ولا سيما في الكوفة الذين وصفهم الفرزدق مخاطباً الحسين (ع) حينما
التقى به خارجا ً من مكة المكرمة قائلاً: (قلوبهم معك وسيوفهم عليك). |
|
فقد أخذت السيوف سهمها من تلك الأجساد الطاهرة،
وظلت القلوب متجهة نحو سيد الشهداء وصحبه الأبرار الذين ظلت أجسادهم على أرض
كربلاء وقد روت دماؤهم الزاكية تلك الأرض المشرقة، تصهرهم شمس الصحراء بحرارتها،
ولا تجد من يواريها الثرى، ويدفنها تحت التراب. |
|
أجل لقد عاد ذلك الجيش من كربلاء وعاد مع قسم
كبير منهم الحسرة والندم على قيامهم ومساعدتهم بارتكاب تلك الجريمة النكراء التي
ذهب ضحيتها سيد شباب أهل الجنة ابن فاطمة الزهراء (ع) التي يغضب الله تعالى
لغضبها، وقد أفاق الناس من غشوتهم، وصحوا من كبوتهم، ولا سيما بعد مجيء السبايا
والرؤوس الطاهرة ودخولهم الكوفة على تلك الحالة المأساوية التي أبكت عيون
الكوفيين وخصوصاً بعد مشاهدة السيدة زينب الحوراء ابنة علي (ع) والزهراء، وحفيدة
محمد خاتم الانبياء (ص) وهي تومئ إلى الناس بالسكوت الذين غصت بهم الشوارع
والطرقات وملأ صراخهم وبكاؤهم الساحات وقد شخصوا عيونهم وأبصارهم نحو تلك المرأة
الجليلة الثكلى التي ملأ الحزن قلبها، وغشيتها المصائب وجللتها الهموم والكوارث
وقد توجهت نحو ذلك الجمع الكبير بخطابها التاريخي حينما قالت: |
|
الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين
الأخيار، |
|
أما بعد، يا أهل الكوفة، يا أهل الخنل والغدر،
أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نفضت غزلتها من
بعد قوة أنكاثاً تتخذون ايمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصَّلق والنطق،
والصدر الشنق، وملق الإماء، وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضة على
ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون.
|
|
أتبكون وتنتحبون؟ أي والله فابكوا كثيراً،
واضحكوا قليلاً، فقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنى
ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ
خيرتكم، ومفزع نازلنا الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة،
ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أي كبد لرسول الله (ص) فيتم، وأي كريمة له أبرزتم،
وأي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم... إلى قولها (ع): أفعجبتم أن مطرت السماء
دماً، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل فإنه لا يحفزه
البدار، ولا يخاف فوت الثأر، وإن ربكم لبالمرصاد. "اللموف". |
|
وقد أثرت تلك الكلمات أثرها البالغ في النفوس
من السيدة الحوراء بطلة كربلاء وحاملة لواء الثورة الحسينية بعد استشهاد أخيها
الإمام الحسين صلوات الله عليه حيث حملت الكوفيين المسؤولية الكاملة لقتل سيد
الشهداء مع تلك الصفوة من أهله وصحبه مع انهم هم الذين دعوه لبلدهم ووعدوه
بالقتال معه ونصره على عدوه فأحدثت كلماتها (ع) انقلاباً فكرياً، وثورة عارمة في
النفوس الموالية لأهل البيت (ع) الذين قعدوا عن نصرة إمامهم بعد أن سيطر على قلوبهم
الجبن والخوف من طاغية يزيد عبيد الله بن زياد، فأيقظهم دماء الحسين (ع) وصحبه،
ونبهتهم من كبوتهم حادثة الطف وما أعقبها من إهانة وإذلال لبنان رسول الله (ص)
ولذلك الركب الحسيني الحزين. |
|
وكان من جراء ذلك أن صمم كبار الشيعة على غسل
ذلك العار، والتكفير عن أخطاءهم، والانتقام ممن خطط لارتكاب تلك المجزرة
الرهيبة، فعقدوا لذلك اجتماعاً بحضور بعض القادة وفيهم: سليمان بن مرد الخزاعي
والمسيب بن نجبة وعبد الله بن وائل التميمي، ورفاعة بن شداد، واتفقوا على إعداد
العدة للثورة بجمع المال، وتهيئة السلاح والرجال ليحددوا ويعينوا بعد ذلك زمن
الانطلاق وساعة التنفيذ. |
|
ومضت سنوات قلائل فكانت ثورة التوابين الذين
تجمعوا بالآلاف وتوجهوا نحو ضريح الإمام الحسين (ع) في كربلاء وهناك كانت لهم
صرخة واحدة بكاء ونحيب وترحم على شهداء كربلاء واللعن والبراءة من يزيد وأتباعه،
ثم قصدوا جند الشام فكانت لهم صولات وجولات قتلوا فيها الآلاف من جند الشام،
وبعد ذلك أعقبها ثورة المختار الثقفي الذي قضى على قتلة الإمام الحسين (ع) وصحبه
فلم يدع أحداً منهم إلا قتله وحتى قائدهم عمر بن سعد لم ينج، ومن بعده عبيد الله
بن زياد لاقى أسوأ المصير وفي الآخرة عذاب السعير، هذا وإذا ذهب إلى العراق
وسألت عن قبور أعداء الحسين (ع) فلا تجد من يجيبك سوى اللعنات المستمرة، وإذا
سألت عن ضريح سيد الشهداء وصحبه الأبرار فإنهم يدلونك على أرض كربلاء التي أصبحت
مدينة كبيرة وشرفت بمقام الإمام الحسين (ع) وأصبحت مزاراً عظيماً يتوافد إليه أحباء
الحسين (ع) ليتقربوا بزيارته إلى الله تعالى ولا يمر يوم إلا ويقصد ضريحه الآلاف
من كربلاء وخارجها فسلام عليك أبا الشهداء في كل صباح وفي كل مساء. |