بسم الله الرحمن الرحيم
الجمعة: 18/3/1429هـ
25/4/2008م
خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة
فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.
ابتلاء المؤمن وعافيته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الإمام جعفر الصادق (ع): "قال الله عز وجل إلى
موسى بن عمران (ع): يا موسى بن عمران، ما خلقت حلقاً أحب إليَّ من عبدي المؤمن،
فإني إنما أبتليه لما هو خير له، وأعافيه لما هو خير له، وأزوي عنه ما هو شر له
لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي،
وليرض بقضائي، أكتبه في الصديقين عندي إذا عمل برضائي، وأطاع أمري" الكافي ـ
ج2 ـ 62
المؤمن محبوب عند الله تعالى هذا ما يصرح به هذا الحديث
الموثوق بصدوره وصحة سنده عن الإمام الصادق (ع)، وهذا ما تصرح به أيضاً بعض الآيات
القرآنية الشريفة الآتية في قوله سبحانه: [إن الله يحب المتقين] ـ التوبة ـ 4
[والله يحب المحسنين] ـ آل عمران ـ 76 [والله يحب الصابرين] ـ 146 [إن الله يحب
المتوكلين] 159 [إن الله يحب المقسطين] ـ المائدة ـ 42[إن الله يحب التوابين ويحب
المتطهرين] ـ البقرة 222
والصفات المذكورة في هذه الآيات ليس مقصوداً منها
الإنسان المجرد عن الإيمان، وإنما هي خاصة بالمؤمن المتصف بتلك الصفات الجميلة:
التقوى، والإحسان، والصبر، والتوكل، والقسط، والتوبة، والتطهر، وليس حب الله جل
وعلا كحبنا ـ نحن الجهلاء بعالم الغيب ـ وإنما حبه لنا بالنظر إلى ما يطلع عليه من
واقع مصالحنا ومفاسدنا مما يعلمه في عالم الغيب الذي لم يطلعنا عليه ربنا علام
الغيوب. فما نتصوره ونعتقده صلاحاً وخيرا ومنفعة قد يكون بالنظر إلى علمه تعالى في
عالم الغيب فساداً وشراً ومضرة، ولذلك يصرح الله تعالى بقوله: [كتب عليكم القتال
وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم
والله يعلم وأنتم لا تعلمون] ـ البقرة ـ 216 وقال عظم شأنه: [فعسى أن تكرهوا شيئاً
ويجعل الله فيه خيراً كثيراً] ـ النساء ـ 19
وفي هذا الحديث الشريف يبن الله تعالى بأنه عبده المؤمن،
بل يقول في خطابه لموسى (ع) يا موسى بن عمران، ما خلقت خلقاً إليًّ من عبدي المؤمن
ولكي لا يتوهم أحد من المؤمنين بأن المؤمن بعيد عن الابتلاء، وفي منجاة من مكاره
الحياة في دنيانا، لما نتصوره حسب جهلنا أن حب الله لنا يلازم عافيتنا، وإعطاءنا
كل ما نهوى وما نحب ونرغب، لذلك يبين سبحانه الحكمة من ابتلائه للمؤمن، ومن عافيته
له، ومن إعطائه ما يحب، ومن منع عنه ذلك فيقول: فإني إنما أبتليه لما هو خير له،
وأعافيه لما هو خير له، وأزوي عنه ما هو شر له لما هو خير له وأنا أعلم بما يصلح
عليه عبدي...".
وحينما ننظر نظرة واقعية لهذه الحياة نعلم يقيناً بأن
الله عز وجل لم يجعلها ثواباً للمطيعين ولا عقاباً للكافرين والعاصين. وإنما جعل
موتنا وحياتنا مرحلة اختبار وابتلاء وامتحان ليتميز المؤمن الصادق في إيمانه من
الكافر والفاسق والمنافق الذين لا إيمان حقيقي لهم.
قال تعالى: [أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا
يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فيعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن الكاذبين] ـ
العنكبوت ـ 2 ـ 3
وإذا كان الابتلاء والاختبار للإنسان هو سنة الله في
خلقه، ومشيئته وحكمته الجارية على عباده فكم ينبغي أن يتجرع المؤمن من غصص وآلام
في حياته، وقد قال جلت قدرته: [وخلق الإنسان ضعيفاً] ـ النساء ـ 28
وبما أن الناس يختلفون في قدراتهم على الصبر والتحمل،
حسب طاقاتهم وأمزجتهم وقوة إيمانهم، والخالق سبحانه يعلم ذلك كله، وقد قال في محكم
كتابه: [ما جعل عليكم في الدين من حرج] ـ الحج ـ 78 [لا يكلف الله نفساً إلا
وسعها] ـ البقرة ـ 286
إذا كان الأمر كذلك فما على المؤمن إلا أن يواجه المحن
والصعاب والآلام بما يقدر عليه من صبر وتحمل سائلاً الله تعالى أن يعينه على ذلك،
وأن لا يحرمه من ألطافه وعنايته ورعايته، وأن يمده بالحول والقوة على ذلك. وإذا
خانته قوته ومقدرته حين المواجهة للشدائد والمحن، ولم يطق صبراً على ذلك، وخارت
قواه وعزمته، وصدر منه بعض الأخطاء التي تلم به في بعض الحالات والتي قد لا يخلو
منها إلا من عصمهم الله من الزلل، فإن الله تعالى لم يقفل باب العفو والمغفرة في
وجه عبده المؤمن وقد قال سبحانه: [ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر
الإثم والفواحش إلا اللم إن ربك واسع المغفرة] ـ النجم ـ 32 ـ 33
وفسر الإمام الصادق (ع) اللم حينما سئل عنه في الآية
الشريفة فقال: هو الذنب يلم به الرجل فيمكث ما شاء الله، ثم يلم به بعد. الكافي ـ
ج2 ـ 441
وأوضح الإمام نفسه ذلك بقوله (ع): ما من ذنب إلا وقد طبع
عليه عبد مؤمن يهجره الزمان ثم يلم به وهو قول الله عز وجل: [الذين يجتنبون كبائر
الإثم والفواحش إلا اللم].
قال (ع): اللمام العبد الذي يلم الذنب بعد الذنب ليس من
سليقته، أي من طبيعت. ونعلم من قول الإمام الصادق (ع) بأن المؤمن غير معصوم، ولكن
ليس من سجيته وطيبعته أن يرتكب الذنب ولكن تمر عليه بعض الحالات فيصدر منه بعض
الذنوب وما من شك بأن المؤمن لا يصر على الخطأ وعلى فعل القبيح وإنما يرجع إلى
الله تعالى بالتوبة وطلب العفو والمغفرة، نسأله سبحانه أن يعصمنا عن ارتكاب
القبايح والفواحش وأن يختم لنا بالعفو والمغفرة إنه كان بالمؤمنين رحيماً.