بسم الله الرحمن الرحيم
الجمعة: 20/6/2008
16/ج2/1429هـ
خطبة
الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد
(ع) الطيبة – جنوب لبنان.
علمت نفس ما قدمت وأخرت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال عز من قائل: [إذ
السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجِّرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس
ما قدمت وأخّرت] ـ الانفطار.
في مشهد عظيم من
مشاهد يوم القيامة الذي لا بد من وقوعه وتحققه نتحدث عنه هذه الآيات الكريمة سورة
الانفاطر، وتذكر لنا بعض ما يحدث في ذلك اليوم، والذي تحدث عنه القرآن الكريم في
العديد من سوره وآياته، لنأخذ الدرس والعبرة ونتهيأ لذلك اليوم العظيم يوم يقوم
الناس لرب العالمين، فنصلح ما أمكننا من فساد أعمالنا ونفوسنا، ونعمل الأعمال
الصالحة التي تربنا من الله تعالى وتسعدنا في ذلك العالم الرهيب يوم لا ينفع مال
ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وتبدأ السورة بكلمته إذا
المتضمنة معنى الشرطية فيقول تعالى: "إذا السماء انفطرت" أي بمعنى انشعت
فتتغير هيئتها وحقيقتها والتي لا نعلمها على وجه التفصيل.
"وإذا الكواكب
انتثرت" تتبدد وتنشر كدرات تتوزع في الفضاء الرحب الواسع فلا يبقى لها هيئتها
ولا كيانها، ويذهب نورها وبهاؤها التي تزينت به السماء الدنيا.
"وإذا البحار
فجرت" ويأتي دور البحار فتتفجر ويختلط مياهها ببعضها، فلا يتميز الماء المالح
عن العذب، أما حقيقة ذلك الانفجار فقد يكون كما ذكره بعض المفسرين باختلاط بعضها
ببعض، وقد يكون يتحول درات الأوكسجين والهيدروجين اللتان يتكون الماء منهما إلى
نار ملتهبة، وعلى أي معنى فإن البحار تتغير صورتها وتتبدل.
"وإذا القبور
بعثرت" وتبعثر القبور انشقاقها بقلب باطنها إلى ظاهرها وإخراج الموتى منها
لإحضارهم للوقوف بين يدي ربهم للحساب، وتكون هنالك الفرحة الكبرى والوجوه النضرة
الناعمة للمؤمنين المتقين الصالحين، والحسرة العظمى والخسارة الكبرى للوجوه
البائسة الخاشعة الذليلة للكافرين العاصين المستكبرين.
وبعد حدوث تلك الأمور
الأربعة: انفطار السماء، وتناثر الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرت القبور، يقول
سبحانه: "علمت نفس ما قدمت وأخرت".
وليس المقصود من
الآية الشريفة أن الإنسان يجهل أعمالها في هذه الحياة، فكل إنسان أعرف من غيره
بنفسه، ولكن الإنسان يتجاهل أعماله وخصوصاً الكافر المعاند، ويحاول دائماً أن
يتظاهر بالصفات الحسنة وإن كان في واقعه من أسوء الناس كما هو حال المستكبرين من
طواغيت الأرض فيرون أنفسهم أفضل الخلق ولو امتلأت الأرض من جورهم وظلمهم، هذا في
الدنيا وأما في الآخرة (يوم تبلى السرائر) كما قال تعالى ـ الطارق ـ 9 ـ
فلا يستطيع إنسان أن
يخفي أعماله، حينما يؤتاه كتاب عمله، ولذا قال تعالى: [علمت نفس ما قدمت] أي ما
فعلت في حياتها الدنيوية من خير أو شر.
وأما قوله تعالى:
"وأخرت" فهو ما تركته من آثارها، وما سنته في حياتها كما قال سبحانه:
[إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم" ـ يس ـ 12
فكل من سن سنة حسنة
له أجرها وأجر من عمل بها، وكل من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، كما
دل على ذلك أيضاً بعض الأخبار المأثورة عن النبي وآله الأطهار صلوات الله عليه
وعليهم أجمعين.
قالآباء والأجداد
الذين يربون أولادهم على العقائد الفاسدة، والأفعال القبيحة، وتبقى من بعد وفاتهم
سنة يسيرون عليها، ويعملون بها سيحاسبون على ما تركوه من آثارهم، وما ربوا عليه
أبناءهم، ويكونون شركاء في الوزر والإثم الذي يرتكبه أبناؤهم من بعدهم وفي حيتهم.
وكذلك رجال الدين من
كل طائفة وعقيدة سوف يؤاخذون على ما تركوهم لأتباعهم ومن يأخذون عنهم ويقلدونهم
إذا هم علّموا أتباعهم التعاليم الفاسدة، والعقائد الباطلة، وسيعاقب الأتباع
والمتبوعون على ما فعلوه في هذه الحياة من أعمال ومعتقدات، قال تعالى: [إذ تبرّأ
الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين
اتَّبعوا لو أن لنا كرَّة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم
حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار] ـ البقرة ـ 166 ـ 167
فكم هي مسؤولية
الآباء المربين، ورجال الدين الموجهين المرشدين عظيمة وجسيمة عند الله سبحانه الذي
سيحملهم تبعة تربيتهم، وتوجيهاتهم وإرشاداتهم، وكما ذكرت الآية الشريفة بأنهم
جميعاً من أصحاب النار، بدون عذر للأتباع الذين يتبعون آباءهم أو موجهيهم.
وأما إذا اهتم الآباء
بأبنائهم فربوهم على التعاليم الإسلامية الحقة، وكذلك العلماء إذا أخذوا عقائدهم
عن الدليل القاطع، والبرهان الساطع، ولم يكونوا رجال دين مأجورين وموظفين ولا هم
لهم سوى ما يأخذون من مال يعيشون فيه، واكتفوا بتلك العقائد التي ورثوها عن رجال
دين سابقين دون أن يحققوا فيها، ويدققوا في صحتها وأحقيتها، وكانت مخالفة للعقل
المتجرد عن الأهواء، ومخالفة الشريعة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله فإنهم
سوف يندمون في نهاية حياتهم، وسيوآخذون على أعمالهم وتوجيهاتهم.
وأما إذا ترك الآباء
ورجال الدين الآثار الحسنة الطيبة، والتعاليم الحقة الصحيحة فإن الأجر والثواب سوف
يلحقهم وينالون ولو بعد وفاتهم ومماتهم كما نص على ذلك القرآن الكريم والحديث
الشريف.