بسم الله الرحمن الرحيم

الجمعة: 9- محرم ـ 1429هـ

18/1/2008

 

خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.

 

يوم عاشوراء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

من أهم وأعظم الأيام من تاريخ البشرية على الإطلاق هو ذلك اليوم العظيم الذي وقعت فيه حادثة كربلاء الشهرة، وتلك المأساة الكبيرة، والفاجعة العظيمة حيث استشهد في ذلك اليوم العاشر من شهر محرم سنة إحدى وستين للهجرة النبوية حفيد النبي محمد صلى الله عليه وآله، وابن علي أميرا المؤمنين عليه السلام وابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام الإمام الحسين بن علي (ع) سيد الشهداء، مع أبنائه وأخوته وسائر أهل بيته خيرة الأرحام وأفضلهم، مضافاً إلى أصحابه الأبرار الأوفياء خير الأصحاب وأخلصهم وأبرهم وأوفاهم.

في ذلك اليوم الكبير تجمعت الألوف من قوى الشر والضلال والكفر ـ الذين يدعون الإسلام ـ في مواجهة ابن بنت رسول الله (ص) الحسين (ع) يريدون إخضاعه وإرغامه لمبايعة يزيد من معاوية ـ المدعى لخلافة محمد (ص) كذباً وزوراً ـ وهو لا يمثل أدنى صفات الحاكم العادل لحكمه بغير ما أنزل الله تعالى، وتظاهره بالفسق والفجور والمنكرات وقتل الأبرياء.

ولكن سيد الشهداء وإمام الأحرار، وأعظم المجاهدين والمضحين في سبيل اللهب وإعلاء كلمة الحق ونصرة الدين الإسلامي الحنيف، لم يعبأ بتلك الجموع، ولم يخشى كثرتهم ولم ترعه سيوفهم ونبالهم ورماحهم، فوقف كالجبل الشامخ في مواجهة أولئك الأنذال مع قلة قليلة من أهل بيته وولده وأصحابه، رابط الجأش، قوي القلب، ثابت الجنان رافضاً الخضوع للباطل وأهله، معتصماً بالإباء ورفض الظلم، ومعلناً نصرة الحق والحفاظ على شريعة جده المصطفى مهما كانت النتائج ومهما كلفه ذلك الموقف من خسائر فادحة، وتضحيات جسيمة.

وفق الإمام الحسين (ع) الذي يمثل جده الرسول الأعظم محمد (ص) صبيحة يوم عاشوراء ليواجه تلك الفئة الضالة التي مثلت قوى البغي مؤتمرة بأوامر عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد فخطب فيهم واعظاً ناصحاً موجهاً مرشداً محتجا ًعليهم بأبلغ الكلمات، وأقوى الحجج حتى لا يكون لهم عذر عند الله تعالى في قتاله، ولا عند جميع العقلاء والأمم التي ستقرأ قصة حادثة كربلاء، ومقتل سيد شباب أهل الجنة، فكان من جملة ما قال:

"ويحكم أتطلونني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟ فأخذوا لا يكلمونه، فنادى (ع): يا شبث بن ربيعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت ا لثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجندة؟ فقال قيس بن الأشعث: ما ندري ما نقول، ولكن إنزل على حكم بني عمك، فإنهم لن يروك إلا ما تحب، فقال له الحسين (ع): لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد".

وبقي صلوات الله عليه مصراً على موقفه الرافض للذل والهوان قائلاً: ألا وإن الدّعيّ بن الدعي "عبيد الله بن زياد" قد ركز بن اثنتين: بين السِّلة والذِّلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا قد أعذرت وأنذرت".

لكن كل تلك الكلمات البليغة والنصائح الكافية لم تنفع مع أولئك الطغاة الذين أعمى قلوبهم الجهل والضلال وحب الدنيا والمغريات فآثروا حرب إمامنا الحسين (ع) وقتاله مع أهل بيته وصحبه فقتلوهم جميعاً وداسوا جسد الحسين (ع) بعد استشهاده بحوافر خيولهم وقطعوا رأسه الشريف مع رؤوس من قتل معه، ولم يكتفوا بذلك وإنما هجموا على مخيم النساء والأطفال فأحرقوا الخيام وسلبوا بنات رسول الله (ص) حتى الغطاء على رؤوسهن ثم حملوهن سبايا كسبايا الكفار من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام تتقدم أمامهم رؤوس الشهداء الأبرار مع رأس الإمام الحسين (ع) متقربين بذلك كله إلى يزيد بن معوية وأتباعه طمعاً في دنياهم غير مراقبين الله تعالى بأفعالهم وبما أقدموا عليه من تلك الجرائم التي بقي صوتها مدوياً في التاريخ عبر الأجيال الكثيرة، وطيلة حكم الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم من الحكام المؤيدين لهم والساكتين عن أفعالهم مما جعل الموالين لأهل البيت (ع) يتسترون حتى في إقامة ذكرى عاشوراء خوفاً على أنفسهم من أعدائهم الموالين للأمويين.

هذا ولكن مشيئة الله سبحانه ونصرته للحق ولآل رسول الله المظلومين وبعد المد الشيعي المناصر للحق وللمظلومين، وبعد حدوث القنوات القضائية والإنترنت وغيرها من وسائل الإعلام نجد في هذه الأيام التطور الكبير الذي يحدث في ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) أيام عاشوراء من شهر المحرم وما يشاهده العالم في المجالس الحسينية التي تعرف الناس بمظلومية سيد الشهداء والهدف الأسمى الذي ضحى من أجله ليحافظ على شريعة جده المصطفى الذي كان يعلم بأن إحياء الإسلام على الوجه الصحيح الخالي من التحريف إنما سيكون على يد حفيده الحسين (ع) حيث قال فيه: [حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً ].