بسم الله الرحمن الرحيم

الجمعة 10/5/1429هـ

16/5/2008م

 

خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.

 

المنافقون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

يقول الحق سبحانه: بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. المنافقون.

لقد كان الكافرون في مكة والمدينة وغيرهما في بداية الدعوة الإسلامية يجاهرون بعدائهم للرسول محمد صلى الله عليه وآله ولدعوته، بل ويؤذون النبي والمسلمين بشتى أنواع الأذى وحتى بالقتل أحياناً. ولما هاجر الرسول صلوات عليه وآله إلى المدينة وعلت كلمة الإسلام وأصبح للمسلمين قوة يحسب لها حساب، لم يعد بإمكان بعض الكافرين الموجودين في المدينة التجاهر بالعداء للدعوة الإسلامية فأضمروا الكفر وأظهروا الإسلام حفاظاً على وجودهم ومصالحهم فسماهم الله تعالى بالمنافقين.

وقد ذكرهم سبحانه في عدة سور في القرآن الكريم مندداً بهم، ومحذراً من خطرهم على الإسلام، وقد اختصت سورة باسمهم وهي سورة المنافقون والتي كان في بدايتها الآية الشريفة التي ذكرناها، حيث يخاطب الله عز وجل نبيه (ص) ويبين له كذبهم وادعاءهم الإسلام، وهم ليسوا من الإيمان والإسلام في شيء لكي يكون على حذر منهم، فلا يركن إليهم، ولا يصدقهم في ادعائهم الإسلام، هذا ولا يخلو عصر من العصور من هذه الفئة الضالة التي تجاهر بالكفر والاستهزاء بالدين والمؤمنين حينما يكون فيهم قوة، وتكون كلمة الإسلام ضعيفة، وأما حينما يكون المجتمع قوي الإيمان، وتعلو راية الإسلام يخفون ما في أنفسهم من الكفر، ويتظاهرون بالدين والإسلام في أقوالهم وكلماتهم، ويحاول بعضهم ما استطاع من العمل ضد الدين من حيث لا يشعر بهم أحد، والذين يسمون في عصرنا بالانتهازيين، ينتظرون الفرصة السانحة لهم ليهدموا الدين ويقوضوا شرائح الإسلام.

وهنالك نوع آخر من النفاق وهو النفاق في السياسة حيث يتظاهر فريق معيل بأنه مع الفريق الآخر الأقوى منه ليحصل على بعض المصالح والمكاسب، ولكنه حينما يتصور نفسه قوياً ينقض اتفاقه مع الفريق الآخر، ويظهر كل ما عنده من كيد ومكر وعداء.

وقد ابتلي بلدنا لبنان بتلك الفئة المنافقة بعد نجاح المقاومة وتحرير الأرض من الصهاينة حيث تحالفوا سياسياً مع قادة المقاومة لنيل بعض المصالح، ولما نجحت المقاومة النجاح الأكبر في حرب تموز سنة 2006م وامتلأت قلوب بعض الدول الأجنبية والعربية حسداً لتلك الفئ المنتصرة شعر بعض المنافقين بالفرصة المناسبة لإظهار ما في نفوسهم من الكره والعداء فأضهروا ما تمكنوا من نوايا عدائية تجاه أخوانهم في المقاومة ظناً منهم بأن بعض الدول الكبرى ستنصرهم وتخلصهم من تلك الفئة المقاومة التي تعاظم أمرها، وعلا ذكرها في الوطن العربي والإسلامي وظلوا يستعملون ما شاءوا من عبارات القدح والذم، ومن كلمات الهجاء والبذاء ولم يتوقفوا عند حد حتى وصل بهم الأمر أخيراً للوقوف ضد سلاح المقاومة المعلوماتي فقرروا قطع شبكة الاتصالات التي كان لها الدور الهام في الحرب فكانت الفتنة الأخيرة والتي سقط فيها رجال من السياسيين، وأيضاً حتى من رجال الدين فحدث بعض الاقتتال الداخلي والذي ذهب ضيحته العشرات من أبناء الوطن من جراء اتخاذ تلك الفتئة الحاكمة ذلك القرار الجائر غير مبالية بقيمة ما لا يقل عن ثلثي أبناء وطنهم، ولكنهم تراجعوا عن قرارهم المشؤوم بعدما وقفت المقاومة مع المعارضة الوطنية صفاً واحداً وأجبروهم على التراجع الذميم الذليل.

ومما زاد في تلك الفتنة توقداً وإثارة ما ذهب إليه بعض رجال الدين ورجال السياسة من كون المسألة طائفية وليست سياسية مما حدا ببعض رجال الدين المخلصين ورجال الفكر والسياسة الموضوعين أن يقفوا في مواجهة تلك الحملة الإعلامية بقوة الحجة، وبالمنطق السليم ويبينوا للناس بأن المسألة سياسية محضاً ولا وجود فيها لأي رائحة للطائفية المذهبية، وأن المنطقة بأسرها تتجه اتجاهين أحدهما: الاتجاه المسالم المتواطئ مع المشروع الأمريكي الذي لا يريد سوى دعم إسرائيل وإعزازها، والآخر الاتجاه الذي سارت عليه المقاومة في لبنان وفلسطين وغيرهما وهو الرافض للذل والهوان، وللاحتلال والعدوان.

نسأله تعالى أن يجمع القلوب والأفكار على ما فيه سلامة الأوطان، ومحبة الأهل والأخوان.