بسم الله الرحمن الرحيم

الجمعة: 6/3/1429هـ

14/3/2008م

 

خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.

 

 

"الدار الآخر لمن"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال جلت عظمته: [تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين] ـ القصص ـ 83.

هذه الآية الشريفة جاءت بعد الآيات الكريمة الأخرى التي تتحدث عن قارون وما أصابه من الغرور والكبرياء والاستعلاء على الناس وعلى المؤمنين وحتى على نبي الله تعالى وكليمه موسى عليه وعلى نبينا محمد وآله أفضل التحية والسلام وتبين تلك الآيات العاقبة السيئة والفاجعة الكبرى التي حلت بقارون حيث خسف الله تعالى به الأرض فابتلعته وكل ما لديه من أموال وزينة والتي كانت سبب علوه وطغيانه، وكان من جراء ذلك أن خسر قارون الدنيا ومتاعها ونعيمها، وخسر الآخرة كذلك وما أعد الله سبحانه فيها من مختلف أنواع الكرامات والملذات والمشتهيات لعباده المتقين.

وقد بينت هذه الآية الكريمة بأن الدار الآخرة ليست سهلة المنال، ولا تعطى مجاناً لكل أحد، وإنما هي دار الكرامة الباقية الخالدة التي خصها الله تعالى لعباده المؤمنين به سبحانه وبأنبيائه المرسلين وخاتمهم نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله، وبالملائكة المقربين وبالكتب السماوية وأخبرها القرآن الكريم وباليوم الآخر الذي يجمع الله عز مقامه الأولين والآخرين فيثيب المطيعين بإدخالهم الجنة برحمته، ويعاقب الكافرين العاصين فيدخلهم النار بنقمته.

ثانياً: إن الدار الآخرة إنما هي للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً فمن يعيش هذه الحياة التعالي والاستكبار على الآخرين ما بسبب ماله أو جاهه وسلطانه أو بأي سبب ىخر مثل ها الإنسان يدفعه العلو والتكبر على الفساد في الأرض فيظلم العباد، وينشر في الأرض الفساد، والله عز وجل لم يخلق الإنسان ليكون ظالماً مفسداً وإنما خلقه ليكون صالحاً مطيعاً متواضعاً وقد قال جل شأنه: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] ـ الذاريات ـ 56

ثالثاً: وأخيراً تصرح الآية المباركة بأن العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة يمنحها الخالق تبارك اسمه لعباده المتقين الراجين لرحمته وفضله وعفوه وثوابه، والخائفين من نقمته وغضبه وعقابه، والسائرين في حياتهم بطاعته، المؤدين واجباتهم تجاه ربهم وتجاه الناس، المبتعدين عن كل ما نهاهم عنه دينهم الإسلامي، التاركين لكل ما حرمه الله عليهم.

وبالجملة فإن الآية الشريفة تضع شرطين أساسيين لمن يمنحه الله تعالى الحياة الباقية الخالدة في الدار الآخرة، مع النعيم الدائم، والسعادة الخالدة.

الشرط الأول: هو التخلص من الكبر والاستعلاء على الآخرين، لأن من يعيش هذه الصفة القبيحة يرى نفسه فوق من سواه إما بسبب ماله الكثير، أو جاهه العظيم، أو سلطانه المستطير، أو جهله الكبير، فلا يرى لأحد مكانة أو فضلاً عليه حتى الخالق العظيم جل جلاله، ومن بعده الأنبياء والصالحون فيسير حسب رغبته وهواه، فلا يؤدي واجباً لربه، ولا يتخلى عن ممنوع عنه من المحرمات، وقد رأينا من سيرة الأنبياء (ع) والمصلحين من بعدهم أن الذين وقفوا في وجوههم وعاندوهم وحاربوهم بل وقتل من قتل منهم، وسجن من سجن وعذب من عذب منهم إنما كان بسبب مواقف أولئك المستكبرين من القادة والحكام والوجهاء الذين أعرضوا عن دعواتهم، وترفعوا عن السير معهم والانقياد إليهم.

والشرط الآخر لنيل السعادة في الآخرة هو عدم الفساد في الأرض، ومعلوم أن الفساد يترتب على الصفة الأولى، حيث إن الانحراف عن خط الأنبياء والمصلحين بأي دافع من الدوافع يؤدي إلى فساد الأنفس، وفساد الأرض والبلاد، لأن من يتبع هواه وتسيره أهواؤه يؤدي حتماً إلى فساد الأخلاق والابتعاد عن كل ما هو حق، وهذا ما قرأناه من سيرة الأمم في الماضي والحاضر، وما عرفناه من كثير من الأشخاص وفساد غيرهم قال سبحانه: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. المؤمنون ـ 71 ـ وتختم الآية المباركة بالبشارة الحقيقية لعباد الله المتقين بحسن العاقبة فلا يخافون هولاً ولا سوءاً بعد موتهم وإنما مقامهم في الآخرة مع الذين أنعم الله عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وأما في الدنيا فلهم الذكر الحسن والثناء الجميل.