بسم الله الرحمن الرحيم
الجمعة: 11ـ4ـ 2008م
4ـ ربيع الثاني ـ 1429هـ
خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة
فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.
"مسكين ابن آدم"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كلمات وحكم أمير المؤمنين
علي (ع) قوله:
مسكين ابن آدم: مكتوب الأجل،
مكنون العلل، محفوظ العمل، تؤلمه البقة، وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة. نهج
البلاغة ـ الحكمة ـ 419
هذه الكلمات الخالدة، تصف هذا الإنسان ـ أنا وأنت ـ
بالمسكنة، والضعف والعجز، والجهل بعالم الغيب، وما يخبؤه مستقبل أيام عمرنا
وحياتنا.
فالمسكين لغة هو من لا شيء له، والذليل المقهور (أقرب
الموارد).
وإطلاق لفظ المسكين من الإمام علي (ع) على الإنسان يبين
حقيقة كل فرد من أفراد هذه المجموعة البشرية: الغني والفقير، والحاكم والمحكوم،
والعالم العارف بأي علم والجاهل به، والذكر والأنثى، بدون أي فارق ولا مميز.
فأما الأجل ومجيء الموت فهو من علم الغيب الذي اختص الله
سبحانه علمه به، وقد يطلع بعض عباده على علم ذلك، وقد أخفى الله تعالى علمه عنا
فلا نعلم متى يأتينا أجلنا، وبأي سبب، وبأي مكان، ولا شك في أن جهلنا بزمان حدوث
موتنا قد يكون رحمة لنا، لأن من يعلم قرب موته تتغير حالته، ويدوم حزنه وقلقه، وقد
يزداد وضعه الصحي سوءً. كما أن من يعلم طول عمره وبعد أجله فغالباً ما يقسو قلب
ذلك الشخص، لا يهتم بالعمل الصالح لآخرته، ولا يبادر إلى التوبة من ذنوبه، فلذلك
نجد المولى عز اسمه قد أخفى علمنا بأجلنا لنكون دائماً على استعداد لعمل الخير،
والبعد عن كل شر وقبيح، والجهوزية التامة للقاء ربنا والتوبة من ذنوبنا، قال عز
وجل:
[إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب ويعلم ما في
الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير]
لقمان ـ 34
وقوله (ع): مكنون العلل، ومعناه مستور العلل ومخفي
أمرها، فقد تكون جرثومة السرطان مثلاً أو غيرها موجودة في أبداننا، ولكننا لا نحس
بها ولا نشعر لضعف تلك الجرثومة وقوة المقاومة في أجسادنا، ثم نراها تظهر بعد حين
من الزمن، ونشعر ببعض عوارضها وذلك حينما تقوى وتتمكن وتتكاثر، وحينما يعترينا
الضعف والوهن. ولذلك يذكرنا الإمام (ع) بأن العلة والمرض قد يكون موجوداً فينا،
فلا ينبغي أن نثق بحياتنا الثقة، فيطول أملنا وتقسو قلوبنا، فلا نغتر بالصحة حين
وجودها، ولا يعترينا اليأس من رحمة الله حينما تظهر بعض إمارات الموت بحدوث مرض أو
غيره.
وقوله (ع): محفوظ العمل: وهذه حقيقة لا ينبغي لعاقل عارف
بقدرة الله سبحانه أن ينكرها أو يشك فيها، لأن الله العليم الحكيم لم يخلق الإنسان
عبثاً، ولم يتركه دون حفيظ أو رقيب وقد قال جل شأنه: [كلا بل تكذبون بالدين ,وإن
عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون] الانفطار ـ 9 ـ 12.
والإمام (ع) يذكرنا بأن الله تعالى مطلع على أعمالنا،
ولا يخفى عليه شيء من أمورنا، فنهتم بالواجب الذي نتقرب به إلى الله الكريم
العظيم، فنؤدي على الوجه الذي يريده منا دون أي نقص أو خلل، ونرجع إليه سبحانه
بالتوبة وطلب العفو والمغفرة حينما يصدر منا أي ذنب أو خطأ لكي يمحو ذلك الذنب من
كتاب أعمالنا، وليضاعف الله حسناتنا.
وقوله (ع): تؤلمه البقة: فهذا دليل ضعفنا حيث إن تلك
الحشرة الصغيرة رغم ضعفها وصغرها تغز جسمنا، وتؤلمنا وتأخذ من دمائنا، وقد لا نحس
بها ولا نشعر، وخصوصاً عند نومنا وضعف إحساسنا، وإذا أردنا إمساكها فرغم قوتنا
ومعرفتنا قد لا نتمكن من ذلك.
وقوله (ع): تقتله الشرقة: فهذا مما يؤكد ضعفنا وعجزنا عن
حماية أنفسنا حتى من تلك الشرقة التي تعترينا أحياناً حينما نريد أن نبتلع بعض
المشروبات كالماء والشاي وغيرهما، وقد تنتهي حياتنا بسبب تلك الشرقة كما يقول
الإمام (ع).
وقوله (ع): وتنتنه العرقة: وذلك بسبب الإفرازات التي
تخرج من أجسادنا فإذا تأخرنا أسبوعاً أو أسبوعين ولم نغسل أجسامنا ولم نغير ثيابنا
الوسخة فإن الرائحة التي تنبعث من أبداننا وثيابنا تجعلنا ننفر حتى من أنفسنا
بينما نجد الحيوانات التي تعيش على الأعشاب والنباتات لو بقيت طوال أعمارها دون
تنظيف وتغسيل لا نشم لها تلك الروائح الكريهة التي تعرض لهذا الإنسان.
وإذا كان حالنا في هذه الحياة فيجدر بنا أن نحرص على
الصفات الحميدة والأعمال الصالحة المرضية التي تقربنا من خالقنا وتنفعنا في دنيانا
وآخرتنا، وتكسبنا المحبة والمودة بين الناس.