بسم الله الرحمن الرحيم

الجمعة: 2- 1 ـ 1429هـ

11/1/2008

 

خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.

 

الذكرى الحسينية

سياسية أم دينية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

قد يتصور البعض أن إقامة مثل هذه الاجتماعات الكثيرة في ذكرى عاشوراء في المدن والقرى والأحياء، وفي الحسينيات وبعض المساجد إنما الدافع من وراء ذلك إحياء لبعض الشعارات التنظيمية أو الحزبية أو السياسية، أو للوصول إلى بعض الأهداف المادية والدنيوية، ولكن مثل هذا التصور والتوهم لا أساس له عند المؤمنين المحبين للإمام الحسين (ع) بوجه خاص ولجده المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وأبيه علي المرتضى (ع) ولأمة فاطمة الزهراء (ع) ولأخيه الحسن المجتبى صلوات الله عليهم أجمعين بوجه عام.

إن ولاءنا العظيم للرسول الأكرم ولأهل بيته الطاهرين المعصومين المظلومين هو الذي يدفعنا لإحياء ذكراهم تقرباً إلى الله تعالى رجاء الثواب وأملاً بشفاعتهم يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون. ومن جهة أخرى لبيان مظلوميتهم ودفاعاً عن مواقفهم التاريخية الخالدة التي كلفتهم بذل حياتهم في هذه الدنيا، وحياة أشياعهم ومن والاهم فشردوا في مختلف بقاع الأرض في زمان الدولة الأموية والعباسية واستخفى شيعة أهل لبيت في إقامة مجالس عاشوراء قروناً من الزمن في بيوتهم حفاظاً على نفوسهم، واتقاء لشرور أعداءهم الذين نصبوا العداء لأهل بيت نبيهم ولشيعتهم حتى جاء القرن العشرين ولا سيما في النصف الثاني منه فنشط محبو أهل البيت (ع) في المحافظة على الذكرى الحسينية بعد زوال الحكم الأموي والعباسي والعثماني وانتشر الفصل بين الدين والدولة فأخذ المؤمنون يعبرون الدينية والإيمانية كل على حسب طريقته وعقيدته إظهاراً لحق الحسين (ع) ولنهجه القويم.

وبعد نجاح الثورة الإسلامية في جمهورية إيران الإسلام ونجاح المقاومة في لبنان والتي كان الغالب على طابعها هو الحس الديني وبوجه أخص الشيعي الإمامي وبعد تخلص العراق من النظام البعثي الظالم أخذت الذكرى الحسينية نشاطاً أكبر وأوسع وزاد الاهتمام بها في شتى أنحاء من العالم ولا سيما حيث يتواجد شيعة أهل البيت (ع) فكثرت المجالس الحسينية والمسيرات الكبيرة في عاشوراء، وزاد ونما الاستعداد لهذه المناسبة العظيمة بتزيين بعض الشوارع والساحات والمساجد والحسينيات بالرايات السوداء واليافطات المختلفة التي يكتب عليها بعض كلمات سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) وكلك الاعلام وبعض الصور المعبرة عن مأساة كربلاء وما حدث بعدها من محن ومصائب على الأجساد الطاهرة والرؤوس الشريفة وما تعرض له أبناء الرسول وبناته الطاهرات من حملهن سبايا من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام وما واجهن في تلك المسيرة الطويلة من الطغاة اللئام الذين لم يحفظوا محمداً صلى الله عليه وآله في عترته، ولم يراعوا حرمة لذوي قرابته الذين أمر الله تعالى بحبهم وولاءهم والسير على نهجهم وشريعتهم.

إن كل ما يقوم به أحباء أهل البيت (ع) وشيعتهم من إقامة الشعائر الحسينية وإحياء الشعارات ليست لأمور دنيوية ولا سياسية ولا حزبية ولا ضداً بطائفة أو دين أو مذهب وإنما الدافع الأساس هو التقرب إلى الله تعلى وإلى النبي وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليه وآله وعليهم ولبيان مظلوميتهم من قبل الولاة والحكام، ولإيضاح المفاهيم الخاطئة التي عاش عليها قروناً من الزمن الذين لم يعرفوا حق أهل البيت (ع) فأساءوا لهم ولشيعتهم ووصفوهم بالأوصاف القبيحة ا لتي هم منهم براء إرضاءً لقادتهم وحكامهم الذين نصبوا العداء لأهل البيت وشيعتهم جهلاً منهم بحقهم.

إن قاتل الحسين (ع) وأهل بيته وصحبه يزيد بن معاوية الذي حكم البلاد الإسلامية هو وأبوه معاوية من قبل باسم خلفاء الرسول الأعظم محمد (ص) من غير أن ينصبهم النبي (ص) ولا رضي بهم المسلمون وإنما اغتصبا الخلافة من علي (ع) وابنه الحسن (ع) ومن بعدهما الحسين (ع) فحكما بغير ما أمر الله تعالى واستحل يزيد قتل ابن الرسول (ص) ومن معه لعدم مبايعتهم له، وقد بين الإمام الحسين (ع) سبب رفضه مبايعة يزيد بقوله:

"يزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله" (اللهوف).

هذا هو الهدف الأسمى من إقامة الذكرى الحسينية، إحياءً لذكراه الشريفة، وتخليداً لتلك الشخصية العظيمة التي يحار الفكر في معناها، ويهيم فؤاد العارفين بها عند ذكرها وصدق الشاعر الحسيني بقوله:

 

كذلك الموت فالحسين مخلد          كلما مرت الدهور تجدد