بسم الله الرحمن الرحيم
الجمعة : 9/5/2008 م
3/5/1429 هـ
خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة
فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.
من الثواب والعقاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول الله سبحانه في القرآن
الكريم:
[إن الذين كفروا بآياتنا سوف
نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان
عزيزاً حكيماً والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلاً ظليلاً] النساء ـ 56 ـ 57
لقد شاءت إرادة الله تعالى
وحكمته أن يخلقنا ويسكننا هذه الأرض مدة معينة، ورغم أنه سبحانه أفاض علينا من
الخبرات والنعم التي لا تحصى لكثرتها، فإن حكمته شاءت أن يختبرنا ببعض التكاليف
الإلهية، فحرم علينا أموراً، وأوجب علينا أموراً أخرى، ومن المعلوم أن أداء
الواجب، واجتناب الحرام يحتاج إلى بذل جهد وجهاد نفسي، لأن كثيراً من الواجبات
والمحرمات على خلاف ما يهوى الإنسان، وقد قال أمير المؤمنين علي (ع):
"واعلموا أنه ما من طاعة
الله شيء إلا يأتي في كره، وما من معصية الله شيء إلا يأتي في شهوة، فرحم الله
امرئ نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه" النهج/ خطبة176.
فنفس الإنسان ميالة نحو
الراحة، وتكره التطاليف الملقاة عليها، وتميل نحو ما تهوى وما حرم الله تاعالى
علينا من حرمات، وقال علي (ع) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "إن الجنة
حفّت بالمكاره وإن النار حفت بالشهوات" ـ نفس المصدر.
وجاء أن طاعة الله تشرف
بامتثال أوامر أعظم الموجودات وهو الله الخاق العظيم، كما أن المعصية تجرؤ على
عصيانه تبارك وتعالى، وخروج عن أوامره ونواهيه، كان لا بد بمقتضى حكمته عز وجل أن
يثيب المؤمن المطيع، ويعاقب الكافر العاصي، وليس هذا العالم محلاً للثواب والعقاب،
وإنما كانت الدار الآخرة هي المقر والجامع لذلك ومن هنا نقرأ في هاتين الآيتين
الشريفتين عقاب الكافرين وثواب المؤمنين.
ومن الجدير بالذكر أن الله
تعالى ذكر في القرآن الكريم أنواع العذاب، وأنواع الثواب ولم يجمع ذلك كله في آية
واحدة، ولا في سورة قرآنية واحدة، وهو أعلم بالحكمة من وراء ذلك.
هذا وإننا حينما ننظر إلى
الثواب والعقاب في الآخرة يصعب علينا، نحن أبناء هذا العالم أن نتصور حقيقة ذلك
لأننا لم نشاهد مثل ذلك العقاب والثواب ولذلك ورد في الحديث الشريف بأن الجنة
فيها: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ونقول أيضاً في عذاب
النار مثلها أعاذنا الله من ذلك، فهو عذاب، لم تر مثله عين، ولا سمعت به أذن، ولا
خطر على قلب بشر.
ونأتي إلى الآية الأولى التي
تصف عذاب الكافرين بقوله تعالى: [إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما
نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب...
فالذين كفروا بآيات الله لم
يؤمنوا بما جاء به رسل الله وخاتمهم نبينا محمد (ص) فهم أنكروا رسالة الله تعالى،
وأنكروا نبوة أنبيائه وتكبروا عليهم، واستهزأوا بهم، وحاربوهم فلم يشغلوا أفكارهم
وعقولهم بما جاء به أولئك الدعاة الهداة، واتهموهم بالجهل والكذب والسحر، وتصوروا
أنفسهم بأنهم محقون ورسل الله هم المبطلون، فكان جزاؤهم عند ربهم مقابل عتوهم
وجهودهم واستكبارهم هي النار الكبرى وليست كهذا النار التي عرفناها فإنها تقضي على
الإنسان المحترق فيها وتنتهي حياته، وأما النار في الآخرة فهي مستمرة دائمة وكلما
تساقط هذا اللحم البشري رجع وعاد من جديد وهكذا [كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً
غيرها ليذوقوا العذاب] وقد عبر القرآن الكريم عن تساقط اللحم بالجلود، وذلك لأن
الجلود هي موقع الإحساس والألم، وهذا من بلاغة القرآن وإعجازه حيث كان نزول القرآن
الكريم في مجتمع أمي لم يبلغ من العلم والثقافة ما يجعله يميز بين الإحساس الموجود
في الجلد دون ما تحته من لحم البدن.
وفي قوله تعالى: "ليذوقوا
العذاب" نعلم مدى بعد الرحمة الإلهية عن أولئك الكفار المتجرئين على الله
سبحانه، والمكذبين لرسله، وأنهم لا يستحقون إلا الانتقام وليس سواه، وقد قال جل
علاه: "إن الله عزيز ذو انتقام" ـ إبراهيم ـ 47
أما المكافأة العظمى فهي لعباد
الله المؤمنين الذين أطاعوا ربهم في هذه الحياة، وخالفوا أهواءهم، وآمنوا بالرسول
محمد (ص) وبما جاء به من عند الله تعالى، فتركوا ما حرم الله عليهم، وأدوا ما فرضه
وأوجبه متقربين بذلك إلى الله، راجين رحمته وكرامته فهؤلاء المؤمنون العاملون بما
يرضي ربهم فهم في "جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها
أزواج مطهرة وندخلهم ظلاً ظليلاً".
هم في بساتين وجنات من كل
الثمرات، وفي أجمل وأروع المناظر الجذابة، وتجري الأنهار من تحتها ومعهم أزواجهم
المطهرات من كل ما يكدر صفو حياتهم، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، لا مدة
لبقاءهم، ولا يعتريهم هم ولا غم ولا مرض ولا موت خالدين فيها أبداً يحوطهم الله
بعنايته ورضوانه، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم لا تحرمنا عفوك ورضاك
وكرامتك مع أوليائك وعبادك الصالحين في دار النعيم، وشفاعة محمد وأهل بيته
الطاهرين.