بسم الله الرحمن الرحيم

 

الجمعة ـ 1 جمادى الثاني/1429هـ

6/6/2008

 

خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.

 

 

"الإيمان والظلم"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

قال الله تعالى: [الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون] ـ الأنعام ـ 82

الله سبحانه يقرر في هذه الآية الشريفة بأن الإيمان يحقق للمؤمن الأمن في الآخرة من حولها وعذابها وشقاءها، ولكن بشط أن لا يكون ذلك الإيمان مشتملاً على الظلم، وليس الإيمان محققاً للأمن فحسب وإنما يشهد الله جل علاه بأن الهداية ثابتة ومحققة لذلك المؤمن مضافاً إلى الأمن الذي يكرمه به رب العالمين فيهديه ربه إلى ما فيه خيره وصلاحه. 

وهل المقصود من الظلم في الآية معنى خاصاً بالشرك كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين وتدل عليه بعض الروايات، أو معنى عاماً ليشمل كل قسم من أقسام الظم كما ذهب إلى ذلك آخرون؟ ولكن ظاهر الآية الكريمة بإطلاقها يشمل ويعم كل ظلم لعدم تخصيصها بظلم معين وهذا ما تدل عليه بعض الآيات والسور القرآنية، ويكفينا من ذلك قوله تعالى: [والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصلوا بالحق وتواصوا بالصبر] ـ العصر ـ فالناس خاسرون لإنصافهم بالظلم إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح وتواصى بالصبر وبالحق وقد ذهب إلى ذلك العلامة المحقق السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان وهذا ما يساعد عليه الفهم الظاهر من إطلاق لفظ الظلم، إذ لا يتصور أحد أن تارك الصلاة أو شارب الخمر أو الزاني وغيرهم ممن يرتكب الذنوب الكبيرة هو أمن يوم القيامة.

ولا ممن تشمله لفظة المهتدي فالأولى حمل لفظ الظلم في الآية الشريفة على إطلاقه ليشمل ويعم كل مصر على المعصية الكبيرة غير مبال بعواقبها، ولا تارك لها، ولا نادم على فعلها. وعليه فإن الآية المباركة تبين بأن الإيمان بالله تعالى ورسله وكتبه واليوم الآخر مع العمل الصالح موجب ومحقق للأمن من العقاب الإلهي، والفوز بالثواب العظيم في الآخرة، ومحكوم على ذلك المؤمن بأنه من المهتدين إنما ذلك الإيمان الذي لا يشاركه الظلم سواء كان شركاً بالله سبحانه، أم بارتكاب بعض الذنوب الكبيرة والإصرار على فعلها.

وإذا كانت المعصية ظلماً للنفس، وارتكاباً للقبيح، وهذا ما لا يخلو منه مؤمن إلا من عصمه الله جل شأنه، وعلى هذا فإن كل مؤمن هو ظالم لنفسه، ويخلط ويشارك إيمانه بالظلم فلا نجاة لمؤمن من عذاب الله، ولا يصدق على أي مؤمن بأنه من المهتدين، فكيف الخلاص إذان؟ وكيف تتحقق النجاة والأمن يوم لا ينفع مال ولا بنون؟

وفي الجواب على ذلك نقول: إن الله عز اسمه قد أكرمنا في هذه الشريعة الخالدة ببعثه نبينا محمد صلى الله عليه وآله تلك الشريعة السهلة السمحاء، والتي يقول فيها رب العزة وخالق الخلق: [ما جعل عليكم في الدين من حرج] ـ الحج ـ 78

والتي يقول فيها سبحانه: [وهو الذي يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات] ـ الشورى ـ 25

[وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى] ـ طه ـ 82

[... إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً] ـ الفرقان ـ 70

فمع فتح باب التوبة من الله الغفور الرحيم لا يبقى مجال لليأس مع الظلم بشرط الرجوع إلى الله تعالى والتوبة الخالصة، ولا يسمح العقل السليم في شريعة خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وآله لأي مؤمن مهما كان نوع الظلم الذي يرتبكه أن يوقع شخصه في اليأس من رحمة الله الرحيم ولا أين يحكم على نفسه بالبعد عن ساحة أرحم الراحمين، وأن يكون من القانطين الضالين لأن الله جلت حكمته ـ عفا بحكمة وكرمه ورحمته عن الإنسان العاصي الظالم لنفسه إذا ما هو عاد إلى ربه مستغفراً نادماً تائباً، ومحى ذلك الذنب الذي جعله ظالماً، وبدل مكان سيئاته حسنات وهذا ما تصرح به الآية الكريمة من سورة الفرقان والتي يقول فيها جل جلاله: [إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً] ـ الفرقان ـ 70

ومن المعلوم أن قبل هذه الآية الكريمة الآيات التي يصف فيها الله سبحانه عباد الرحمان إلى قوله: [... والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد مهاناً] ـ إلا من تاب... ـ الفرقان ـ 86 ـ 96

ومما لا شك فيه أن الذي يجعل مع الله إلهاً آخر يرتكب أعظم الظلم وأقبح الذنوب وكذلك الزنا، فإن من يفعل مثل تذلك الأمور القبيحة يعد ظالماً وعاصياً لله تعالى، ولكنه سبحانه برحمته الواسعة يصرح لنا بأنه مع التوبة والعمل الصالح لا يعفو عن تلك الذنوب فحسب، ولا يتوب على مرتكبيها فقط وإنما يزيد التائب من فضله ويمنحه بعظيم حلمه وجوده وكرمه، فيجعل مكان تلك السيئات حسنات. فسبحانه ما أحلمه وأكرمه وأرحمه، وما أقبح الإنسان الذي يقضي عمره في الموبقات، ويمضي حياته في السيئات، غافلاً عن نفسه، لاهياً عن مصيره المحتوم الذي سيلقاه وسيصل إليه حينما تأتيه ساعة الموت فيتخلى عنه كل قريب وحبيب، ولا ينفعه مال ولا بنون، فيواجه سكرات الموت، ومشاهدة عالم الآخرة، عالم الحق، وحيث الثواب للمطعين المؤمنين، والعقاب للعاصين الفاسقين فيندم حيث لا تنفعه ندامة، ويطلب التوبة حيث لا يقبل الله توبته وأعظم ما يكون هنالك بلية دخول الجحيم، وشراب الحميم، والعذاب الأليم نسألك اللهم التوبة المقبولة قبل الموت، والمغفرة بعد الموت، والعفو عند الحساب، وشفاعة نبينا محمد وأهل بيته الأبرار الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.