بسم الله الرحمن الرحيم
الجمعة: 27ـ 3ـ 1429هـ
4ـ3ـ 2008م
خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة
فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.
التكذيب
بالآخرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاءت حكمة الله جل وعلا أن يرغب عباده المؤمنين
الصالحين المطيعين بأنواع الكرامات والمثوبات في الدنيا والآخرة، وأن يحذر عباده
الكافرين الجاحدين العاصين المفسدين بأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة.
ولكن ثواب الله تعالى في الدنيا وإحسانه وإكرامه
للمؤمنين الصالحين لا يعد شيئاً هاماً بالنسبة لما أعده من الحياة الخالدة في جنات
النعيم مع المتقين الأبرار. وكذلك عقابه سبحانه في هذه الدنيا لا يساوي شيئاً
مذكوراً بالقياس للعقاب في الآخرة في عذاب الجحيم، والشقاء الدائم مع الكافرين
الفجار.
ولذلك نرى الشرائع السماوية وخاتمتها الشريفة
الإسلامية، وجميع الانبياء وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله الذي جاء
بالمعجزة الخالدة وهي القرآن الكريم نراهم جميعاً قد ركزوا على الإيمان بالغيب،
وخصوصاً يوم القيامة حيث يجمع الله الأولين والآخرين ليحصدوا ما بذروه في هذه
الحياة من خير أو شر، ومن إيمان أو كفر، ومن جحود وعصيان، أو إطاعة وجهاد وإيمان.
وقد اعتبر الإيمان بالآخرة أصلاً من أصول الدين
لا يحكم بإسلام المرء مع فقدانه ولا تقبل الأعمال بدونه، لما يترتب على الإيمان من
السلوك الحسن، ومراقبة المؤمن لربه في جميع أعماله، بخلاف الكافر الذي يعتبر حياة
الدنيا هي الفرصة الوحيدة لنيل ما يحب، والحصول على مطالب أهوائه وشهواته.
وقد جاءت الآيات الكثيرة في القرآن الكريم التي
تحذر الكافرين المكذبين بالآخرة وتبشر المؤمنين بها قال عز من قائل: [وأعتدنا لمن
كذب بالآخرة سعيراً] الفرقان ـ1 ـ وقال سبحانه: [ويل يومئذٍ للمكذبين الذين يكذبون
بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون ثم إنهم
لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون] ا لمطففين ـ 10 ـ 17.
وبين سبحانه بعد ذلك مصير المؤمنين وعاقبتهم في
الآخرة فقال: [أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاءً ومصيراً لهم
فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعداً مسؤلاًً] الفرقان ـ 15 ـ 16.
وقال جل علاه: [إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك
ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك ليتنافس
المتنافسون] المطففين ـ 22 ـ 26.
وحينما يحذر الله تبارك اسمه من عاقبة التكذيب
بالدار الآخرة، ويبشر المؤمنين بها لا يهدف من وراء ذلك إلى التخلي عن الحياة
الدنيا وما أنعم الله فيها على عباده من مختلف النعم، ومن الملذات والطيبات
المحللة، وإنما يريدنا سبحانه أن نعيش فيها على موازين الحق والعدل، فنؤدي لله حقه
من الطاعة والشكر، ونؤدي إلى المخلوقين حقوقهم فلا نظلم أحداً منهم، ولا يتصف
الإنسان بهذه الصفة إن كان قلبه خالياً من الإيمان مجرداً عن التقوى، وذلك لأن مثل
هذا الإنسان محاط في حياته بمختلف أنواع الابتلاءات والشهوات، والشبهات. فالشيطان
ذلك العدو الخفي يزين له الباطل بصورة الحق، ويدفعه نحو الكفر بالله تعالى وبرسله
وبالآخرة، والنفس الأمارة بالسوء تميل دائماً نحو ما حرم الله من ترك للواجب، وفعل
للحرام، والدنيا فيها الكثير الكثير من المغريات، وهذه الأمور تقف حائلاً بين
الإنسان وبين طاعة ربه، فينحرف تجاه الشر والباطل، ولا يسارع نحو فعل الخيرات،
وصالح الأعمال.
وأما حينما يدخل الإيمان الصادق إلى قلب الإنسان
المؤمن، فيتعرف على ربه الخالق العظيم، ويعيش مع القرآن الكريم وسيرة النبي محمد
صلى الله عليه وآله، وسيرة أهل بيته المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم
تطهيراً، والذين هم كسفينة نوح التي من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى، مثل
هذا المؤمن الذي يتعمق في قلبه حب الله وخشيته، والخوف والرهبة من الموت وما بعده
من منازل الآخرة فإنه يختلف عن غيره في سلوكه وأعماله، فلا يعصي الخالق، ولا يظلم
المخلوقين وتبقى نفسه متعلقة بعالم الحق، فلا ينسى الله ربه، ولا ينسى الآخرة وما
فيها من أحوال مختلفة وأهوال متعددة، ويعلم يقيناً بأنه لا نجاة له إلا مع الإيمان
بالله تعالى والعمل الصالح وذكر الله، والاستعداد للقائه.
إن الإيمان بالآخرة واليقين بها يقوّم سلوك
الإنسان في هذه الحياة، فيدفعه نحو العمل الصالح، والشعور الدائم بمراقبة النفس،
فيقف حائلاً بين نفسه وأهواءها الباطلة، ويحرص طوال عمره على كل عمل يقربه من الله
تعالى، فيحسن علاقته بربه، ويحسن معاملته للناس، كما إن التكذيب بالآخرة يقسو قلب
الإنسان فيسيء لنفسه ولغيره ويجترأ على فعل القبيح، ويتهرب من الحق والشعور
بالمسؤولية.