بسم الله الرحمن الرحيم

الجمعة: 23/1/1429هـ

2/2/2008م

 

خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.

 

الإمام علي بن الحسين (ع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإمام السجاد هو بن الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، وأمه شاهزناه ابنة يزدجرد وجده لأبيه الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وجده لأمه ملك الفرس، فهو (ع) ابن سيد العرب وابن سيد العجم، ولد صلوات الله عليه بالمدينة المنورة، ودفن فيها بالبقيع في جوار عمه الحسن (ع)، وكان عمره يوم استشهاد أبيه الحسين (ع) ثلاثاً وعشرين سنة، وعاش بعد استشهاد أبيه (ع) أربعاً وثلاثين سنة كما في بعض الروايات، وتوفي سلام الله عليه بالمدينة لُقِّب (ع) بالسجاد لكثرة سجوده، وبزين العابدين لكثرة عبادته وروي ذلك عن جده الرسول محمد صلى الله عليه وآله، وبسيد العابدين، وبذي الثفنات، لأن مواضع سجوده كانت كثفنات البعير من كثرة السجود، وهي الجلدة اليابسة على الجبهة والركبتين.

وروي أنه (ع) أمضى بقية عمره بعد حادثة كربلاء باكياً على أبيه سيد الشهداء (ع)، ولم تغب عن ذاكرته حادثة مجزرة يوم العاشر من شهر محرم، وقد شاهد أباه الحسين (ع) وأهل بيته وصحبه وهم مجزرون كالأضاحي على رمضاء كربلاء، ورأى قساوة ووحشية أولئك الجفاة الطغاة من جيش عمر بن سعد حيث قطعوا الرؤوس الطاهرة، وداسوا جسد الحسين (ع) بحوافر خيولهم ثم حملوا النساء والأطفال سبايا على ظهور الجمال وكان الإمام السجاد (ع) من بينهم، من كربلاء إلى الكوفة التي تجمع أهلها وجلهم موالون لأهل البيت (ع) فاستقبلوهم بالبكاء والنحيب فاغتنم الإمام زين العابدين الفرصة محملاً لهم مسؤولية حادثة كربلاء، ومؤنباً لهم على خذلانهم لأبيه الحسين (ع) وأهل بيته فأومأ إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا، فقام قائماً فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي (ص) وصلى عليه ثم قال:

أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين (ع) المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا تراث، أنا ابن من انتُهك حريمه وسُلب نعيمه، وانتهب ماله وسبي عياله، أنا ابن من قُتل صبراً فلقى بذلك فخراً، أيها الناس ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة، وقاتلتموه وخذلتموه، فتباً لكم ما قدمتم لأنفسكم، وسوءة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى سول الله صلى الله عليه وآله إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي، قال الراوي:

فارتفعت أصوات الناس بالبكاء ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون، فقال علي بن الحسين (ع): رحم الله امرئ قَبِل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله (ص) وفي أهل بيته، فإن لنا في رسول الله (ص) أسوة حسنة، فقالوا بأجمعهم: نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك فمرنا بأمرك رحمك الله فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك لنأخذن يزيد ونبرأ ممن ظلمك وظلمنا، فقال (ع): هيهات، هيهات أيها الغدرة المكرة، حبل بينكم وبين شهوات أنفسكم أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل كلا ورب الراقصات، فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه، ولم ينسني ثكل رسول الله (ص) وثكل أبي وبني أبي، ووجده بين لهاثي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا، ثم قال (ع): لا غرو إن قُتل الحسين فشيخه قد كان خيراً من حسين وأكرما، فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي أصيب حسين كان ذلك أعظما قتيل بشط النهر روحي فداؤه  جزاء الذي أراده نار جهنما.

ثم قال (ع): رضينا منكم رأساً برأس، فلا يوم لنا ولا علينا. "البحار".

في هذه الخطبة الشريفة للإمام السجاد (ع) ذكَّر أهل الكوفة بنسبه وأنه ابن الحسين بن علي (ع) وأنه ابن من حرث عليه تلك المصائب: المذبوح بشط الفرات من غير ذنب ولا جرم وانتهب ماله، وسبيت عياله، وانتهكت حرمته، وسلبت نعمته، وقد قتل صبراً، وكل ذلك جرى بالقرب منهم فلم يواسوه، ولم ينصروه مع أنهم هم الذين كتبوا له ووعدوه بالنصر على عدوه، ولكنهم بعد أن صار بينهم تركوه وخذلوه حتى جرى عليه وعلى أهله وعياله ما قد جرى فما هو عذرهم عند جده النبي محمد صلى الله عليه وآله.

ومنا لمؤكد أن تلك الكلمات من الإمام زين العابدين (ع) ومن عمته السيدة زينب (ع) وغيرها من بنات الرسول (ص) كان لها أبلغ الأثر حيث ألهبت القلوب غيرة وحماساً وأوقدت نار الحقد والكراهية في النفوس ضد قتلة سيد الشهداء وقادة الأمويين، وأثارت في الضمائر الهمة والعزم والتصميم على إعداد العدة والقيام بالثورة والانتقام من قتلة الحسين (ع) وأهل بيته وصحبه.

أما في الشام عاصمة الدولة الأموية آنذاك فقد كان الإمام السجاد مع السبايا وشاهد في مدينة الشام المحن القاسية، والآلام المفجعة لمواجهة أبناء الرسول (ص) بالفرح والشماتة لأن الدعاية الأموية والإعلام الأموي كان قد صور للناس بأن المقتول هو شخص كافر خارجي خرج على أمير المؤمنين (حسب زعمهم ـ وقد انتصر عليه يزيد وجيء برأسه ورؤوس أصحابه والسبايا من أهل بيته فلذلك كان استقبال أهل الشام لموكب السبايا بتزيين الشوارع وبالفرح وضرب الدفوف والطبول، وقد وصف حال أهل الشام الصحابي المعروف سهل بين سعد الساعدي فقال: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار، كثيرة الأشجار، قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول فقلت في نفسي: لا نرى لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن؟ فرأيت قوماً يتحدثون فقلت: يا قوم لكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: يا شيخ نراك أعرابياً؟ فقلت: أنا سهل بن سعد قد رأيت محمداً (ص) قالوا: يا سهل ما أعجبك السماء لا تمطر دماً، والأرض لا تنخسف بأهلها؟ قلت: ويتم ذاك؟ قالوا هذا رأس الحسين (ع) عترة ومحمد (ص) يهدى من أرض العراق فقلت: واعجباً يهدى رأس الحسين (ع) والناس يفرحون؟

هكذا كان استقبال أهل الشام لرأس الحسين (ع) ورؤوس من قتل معه وللسبايا من أهل بيته هذا ولم يكتف يزيد بما فعله مع الحسين (ع) وأهل بيته وحتى السبايا الذين لاقوا ما لاقوا من الإهانة والإذلال والأذى وإنما وأمر خاطباً من الذين باعوا دينهم بدنياهم أ، يصعد المنبر ويذم الحسين (ع) وأباه أمير المؤمنين علياً (ع) فصعد وبالغ في ذم أمير المؤمنين والحسين الشهيد صلوات الله عليهما والمدح لمعاوية ويزيد فصاح به علي بن الحسين (ع) ويلك أيها الخطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار، وطلب الإمام السجاد من يزيد أن يأذن بالكلام فقال: يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضى ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب؟ فأبى يزيد ذلك فقال الناس يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئاً، فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان، فقيل له: يا أمير المؤمنين وما قدر ما يحسن هذا؟ فقال: إنه من أهل محمد (ص) قد زقوا العلم زقاً فلم يزالوا به حتى أذن له، فصعد المنبر وقال:

الحمد لله الذي لا بداية له، الدائم الذي لا نفاد له، الأول الذي لا أول لأوليته، والآخر الذي لا آخر لآخريته، الباقي بعد فناء الخلق، قدر الليالي والأيام، وقسم فيما بينهم الاقسام، فتبارك الله الملك العلام.

أيها الناس، أحذركم الدنيا وما فيها، فإنها دار زوال وانتقال، تنتقل بأهلها من حال إلى حال، قد أفنت القرون الخالية، والأمم الماضية، الذين كانوا أطول منكم أعماراً وأكثر منكم آثاراً، أفنتهم أيدي الزمان، واحتوت عليهم الأفاعي والديدان، أفنتهم الدنيا فكأنهم لا كانوا لها أهلاً ولا سكاناً، قد أكل التراب لحومهم، وأزال محاسنهم، وبدد أوصالهم وشمائلهم، وغير ألوانهم، ومحتهم أيدي الزمان، أفتطمعون بعدهم بالبقاء؟ هيهات هيهات لا بد لكم من اللحوق بهم فقد اركوا ما بقي من أعماركم بصالح الأعمال وكأني بكم وقد نقلتم من قصوركم فرقين غير مسرورين، فكم والله من قريح قد استكملت عليه الحسرات حيث لا يقال نادم ولا يغاث ظالم، قد وجدوا ما أسلفوا، وأحضروا ما تزودوا، ووجدوا ما عملوا حاضراً، ولا يظلم ربك أحداً، فهم في منازل البلوى همود، وفي عساكر الموتى خمود ينتظرون صيحة القيامة، وحلول يوم الطامة، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

ثم قال (ع): أيها الناس، أعطينا ستاً، وفضلنا بسبع: أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفُضّلنا بأن منا النبي المختار محمداً (ص) ومنا الصديق ومنا الطيار ومنا أسد الله وأسد رسوله، ومنا سبطا هذه الأمة، ومنا مهديها، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي، أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبى، أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى (ص) أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله (ص) بسيفين، وطعن برمحين، وهجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبريل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين، والمجاهد أعدائه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله (ص) من المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علمه، سمح سخي، بهي بهلول، زكي أبطحي، رضي مقدام همام صابر صوام، مهذب قوام، قاطع الأصلاب، ومفرق الأحزاب، أربطهم عنانا، وأثبتهم جنانا، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة، وقربت الأعنة، طحن الرحا، ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز، وكبش العراق، مكي مدني، خيفي عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين، ذاك جدي علي ابن أبي طالب (ع)، ثم قال (ع):

أنا ابن فاطمة الزهراء (ع)، أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المقتول ظلما، أنا ابن محزوز الرأس من القا، أنا ابن العطشان حتى قضى، أنا ابن طريح كربلاء، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء، أنا ابن من ناحت عليه الجن في الأرض والطير في الهواء، أنا ابن من رأسه على السنان يهدى، أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تسبى، فلم يزل يقول: أنا أنا حتى ضج الناس بالبكاء.

في هذه الخطبة البليغة بين الإمام السجاد (ع) انه ابن محمد (ص) الذي تعرفونه، وابن فاطمة الزهراء، وابن علي (ع) فليس أبوه المقتول كافراً ولا خارجياً كما صور الإعلام الأموي لزيدي، وأن جده علي (ع) الذي يسبونه هو من عرفهم إياه ولذلك حول الإمام ذلك الجمع إلى بكاء ونحيب تألماً على ما جرى على آل الرسول (ص) ولذلك خاف يزيد الفتنة فأمر المؤذن أن يقطع عليه الكلام بكلمات الاذن وغير أسلوب معاملته مع السبايا وأمر النعمان بن بشير أن يسير بهم من الشام كي لا ينقلب الوضع العام ضده.