في هذه الأيام المباركة نودع شهر رمضان الحبيب بحسرة وداع الأحبة ولوعة فراق الأعزاء، ونستقبل عيد الفطر بفرح وسرور وغبطة.
وليس وداعنا لهذا الشهر المبارك كوداع من جاءه الموت من أحبتنا حيث يكون الوداع الأخير واليأس من اللقاء في هذه الدنيا، وإنما هو وداع من عز علينا فراقه مع الأمل والرجاء في لقائه في الأعوام القادمة، وألمنا انقضاؤه حيث عشنا في رحابه أجمل ساعات العمر، وأفضل أيام وليالي السنة.
وليس الفرح بالعيد كفرحة الأطفال بالمأكل والملبس واللهو، وإنما نفرح بقدوم العيد حيث انتهينا من أداء ما فرضه الله تعالى علينا من واجب الصيام، ولما قمنا به من جد ونشاط في الليالي والأيام من صالح الأعمال، وفعل الخيرات والقربات وحيث انتصرنا طيلة شهر كامل على أهوائنا ورغباتنا، وشهوات أنفسنا، فلم تتغلب علينا رغبة في مأكل أو مشرب من الطيبات فنترك صيامنا من أجل ذلك، ولم تتحكم فينا لذة أو شهوة من لذات الحياة وشهواتها فنتخلى عن واجبنا الذي فرضه الله تعالى علينا في ذلك الشهر الفضيل (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) البقرة ـ 185 ـ
فيأتي يوم العيد مؤذناً بذهاب شهر الصيام والقيام والطاعة، ومعلناً بانقضاء تلك الفترة الزمنية التي قضاها المؤمنون الصائمون بجهاد النفس، والصبر على الطاعات والمشقات، ليذوقوا حلاوة الراحة بعد التعب والمشقة، وليعطوا أنفسهم ما تشتهيه من طيبات وملذات قد حرموها طيلة أيام شهر رمضان، ولينالوا جائزة الصوم من العلي العظيم، وفرحة الرجاء والأمل الكبير بثواب الله تعالى ورضوانه ومغفرته كما جاء في الحديث الشريف المعتبر عن الإمام الصادق (ع) قال: للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه ـ وسائل الشيعة ـ ج7 ـ 290
فالصائم يفرح يوم العيد بفراغه من أداء واجب الصوم، وقيامه بما فرضه الله تعالى عليه وبالسماح له بتناول ما لذ له وطاب من مأكول ومشروب، وتبقى الفرحة الكبرى للصائم المؤمن المطيع لربه يضمنها الله سبحانه له عند موته وحين لقاء ربه.
كما أن الصائم في العيد يشعر بأنه قد أدى زكاة بدنه لما ورد من أن الصوم هو زكاة الأبدان فقد روى الإمام الصادق (ع) عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأصحابه... ولكل شيء زكاة وزكاة الأبدان الصيام. الحديث ـ نفس المصدر ـ 289 ـ
ففي شهر رمضان المبارك ذقنا حلاوة الطاعة في صيامنا حيث الجهاد النفسي والصبر على منع أنفسنا عما اعتادت عليه من رغبات النفس وشهوات الجسد المحللة متقربين بذلك إلى الله تعالى، راجين ثوابه، ومتقين وحذرين من سخطه وعقابه، وذقنا حلاوة الطاعة في قيامنا ليلاً للدعاء والصلاة المستحبة حيث مناجاة الخالق العظيم في الأدعية المأثورة عن النبي وآله الطاهرين، وخصوصاً دعاء السحر الكبير المعروف بدعاء (أبي حمزة الثمالي) الذي علمه إياه الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) وكم شعرنا بلذة القرب من الله تعالى في تلك الكلمات المعبرة والمؤثرة من دعاء السحر للإمام السجاد (ع) والتي تضمنت وصف الخالق الجليل بما هو أهله، وضعه العبد الذليل المفتقر والمحتاج إلى ربه وخالقه، مع ذكر مختلف الحاجات والطلبات للدنيا والآخرة حتى كنا نخاطب الله عز وجل وكأنه ليس بيننا وبينه حجاب مع الأمل الكبير والرجاء العظيم لاستجابة دعواتنا وتحقيق طلباتنا.
كما عشنا في شهرنا هذا مع القرآن الكريم كلام الله ووحيه الذي أنزله على قلب نبينا المصطفى محمد صلوات الله عليه وآله، ذلك الكتاب العظيم الذي لا يعرف قدره، ولا يؤدي حقه ولا يدرك بعض عظماته إلا من عرف معانيه، وتدبر في آياته، وعاش في ظلال أوامره ونواهيه، ومواعظه وحكمه، وتوجيهه وإرشاده، وقصص العاصين والكافرين والمشركين ومصير المكذبين للرسل، وما وعد الله سبحانه المتقين من الثواب العظيم الذي تصغر عنده طاعة المطيعين، وجهاد المجاهدين، وكل ما بذلوه في سبيل الله من جهاد في النفس والمال والعناء، وما أوعد العاصين والكافرين من العقاب الأليم والشقاء الأبدي الذي تقصر عن إدراكه ذواتنا ونفوسنا، وتخشع له قلوبنا وجوارحنا، وتمتلئ عند تصوره أفئدتنا خوفاً ورعباً من ذلك المصير البائس المفجع الفظيع.
فما أعظم آيات البشارة وذكر النعيم لعباد الله المطيعين المتقين، وما أعظم آيات الزواجر والتحذير والتخويف لعباد الله الكافرين الجاحدين العاصين.
كما عشنا مع الآيات القرآنية المشيرة إلى عظمة الله الخالق الحكيم، ومع توجيهاته سبحانه لخلقه وإرشاده لهم لسلوك طريق الهدى والصواب، ورحمته الواسعة بعباده ودعوته لمن أذنب وعصى ليعود تائباً منيباً قبل فوات الأوان، ومع الشريعة الإسلامية في أحكامها الشاملة، وقوانينها العادلة، ومع بلاغة القرآن وأسلوبه الإعجازي أما فوائد الصوم الروحية والنفسية والبدنية والاجتماعية فلذكرها مجال آخر يضيق عنه هذا البيان.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [225] - التاريخ : 7/9/2010 - الكاتب : الشيخ حسين قازان