علي (ع) هو من أجمعت الأمة الإسلامية بكافة علماءها على علو منزلته، وسمو مكانته، لما ورد في فضله وشرفه من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وهو الشخص الوحي الذي اختلف الناس فيه: بين محب قد غال في حبه فاعتبره إلهاً فكان من الكافرين، وبين مبغض قد بالغ في بغضه فنزله منزلة الكافر والمنافق وفريق ثالث اعتبره عبداً صالحاً مطيعاً لله ولرسوله، وخليفة النبي محمد صلى الله عليه وآله، وهذا ما نحن عليه الشيعة الإمامية الإثني عشرية.
ضل فيه (ع) صنفان من الناس الغلاة والنواحب ومعهم الخوارج، واتبع فيه الصراط السوي فئة خاصة وهم الشيعة الإمامة.
إذا عد السابقون للإسلام فهو أولهم، وإذا عد المجاهدون في سبيل الله فهو أول المجاهدين وأخلصهم لله تعالى، وإذا عد علماء الأمة الإسلامية فهو أعلمهم بلا منازع.
سار مع الرسول (ص) والدعوة الإسلامية منذ فحر الإسلام وبقي مجاهداً صابراً حتى علت كلمة الإسلام وجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
ولشدة حرص النبي (ص) على بقاء الإسلام واستمراره هيأ علياً ليكون النائب عنه في كل المواطن، فقال (ص) أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" أخرجه البخاري ومسلم. ذخائر العقبى ـ 63 ـ
وتوفي النبي (ص) وصرفت الخلافة عن علي (ع) حتى مضى الخلفاء الثلاثة ثم جاء دوره (ع) بعد أن أصر المسلمون على اختياره، ولما تسلم خلافة الأمة حاربه طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة، ثم ابتلي (ع) بمعاوية وأتباعه فكانت معركة صفين، وحينما شارف النصر الشامل على جيش معاوية رفع أهل الشام المصاحف بخدعة دبرها معاوية وعمر بن العاص، وكان علي (ع) على علم بذلك ولما رفض الإنصياع لطلب معاوية وأتباعه هدد بعض أصحاب الإمام بحربه إن لم يوقف الحرب، واضطر الإمام أخيراً لإيقافها مكرهاً وانتهت المفاوضات بين أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص إلى بروز فئة الخوارج الذين رموا الإمام (ع) بالكفر والنفاق، وزادوا على ذلك بعد أن سعوا في الأرض فساداً بقتل الأبرياء من شيعة علي (ع) مما اضطر الإمام أن يحاربهم ولم ينج منهم إلا القليل وكان من بين الناجين عبد الرحمان بن ملجم قاتل الإمام (ع) الذي اتفق مع شخصين آخرين من الخوارج على التخلص من أئمة الضلال بزعمهم، وهم علي (ع) الذي تكلف بقتله عبد الرحمان بن ملجم، ومعاوية الذي تكلف بقتله البرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن العاص الذي تكفل بقتله عمرو بن السهمي، وقد اجتمعوا بمكة المكرمة وتعاقدوا على تنفيذ ذلك في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان. ونفذ ابن ملجم جريمته في علي (ع) بعد أن دخل الإمام مسجد الكوفة لأداء صلاة الفجر فضربه ابن ملجم على رأسه الشريف وكان السيف مسموماً فأثر السم في بدن الإمام واستشهد في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان على المشهور وانتقل عن هذه الحياة إلى الرفيق الأعلى وإلى جوار الله تعالى وأنبيائه المرسلين وملائكته المقربين.
وبعد هذا العرض الموجز من سيرة أمير المؤمنين علي (ع) فهل ذهب عن هذا الوجود وذهبت معه صفاته وأخلاقه وعلومه واثاره ومواقفه؟ كلام يغب مثاله عن قلوب عارفيه ومن تتبع سيرته، وإن غاب شخصه عن هذا العالم الزائل الفاني.
وإذا أردت أن تتعرف أكثر فأكثر على شخصية علي (ع) فاقرأ سيرته وما ورد في شأنه وفضله، وهذا نهج البلاغة الكتاب العظيم الذي جمعة الشريف الرضي مما ورد عنه من خطب ومواعظ ووصايا وكتب وحكم ينبئك هذا الكتاب عن شخصية علي (ع) بل وحتى بعض الأدعية المأثورة التي وردت عنه (ع) كدعاء الصباح ودعاء كميل وغيرهما يزيدك معرفة به، وما أجمل ما قاله بعضهم في حقه حينما قال:
ما أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله بغضاً وحسداً، وأولياؤه خوفاً وظهر من بين ذلك ما ملأ الخافقين، إن وصية الإمام علي (ع) لولده الحسن (ع) تنبئنا عن ذاته المقدسة، ونفسيته المشرقة المنيرة، ومعرفته لحقيقة هذه الدنيا وحقيقة الآخرة والعلاج الأجدى والأنفع لهذه النفس الإنسانية.
أما عهده (ع) لمالك الأشتر فهو الدستور الكامل الشامل العادل للدولة الإسلامية بجميع أفرادها من الحاكم والمحكوم وقضاة العدل، والجندي والقائد، وإدارة جميع شؤون الدولة التي تسير على ضوء تعاليم الإسلام وتطبيق أحكامه.
وإذا تتبعنا سيرته (ع) أثناء حكمه في تلك المدة القصيرة التي لم تبلغ السنوات الخمس نجده المثال الصادق للحاكم العادل، والقائد الحكيم، والفقيه العالم الخبير. أما زهده (ع) وعبادته وتقواه، وصرامته في الحق، ورأفته بالمستضعفين فقد أصبح جلياً للعارفين به والمطلعين على سيرته، ويكفينا بعد ذلك أقوال النبي المعصوم والصادق الأمين صلوات الله عليه وآله في حق علي، وفي عدة مناسبات حتى أدى الأمر ببعض الحاسدين أن يقللوا من شأن علي ويضعونه في غير الموضع اللائق به.
فسلام عليك يا أمير المؤمنين يوم ولدت في بيت الله اخل الكعبة الشريفة ويوم استشهدت في بيت الله في مسجد الكوفة ويوم تبعث حياً مع النبيين والمقربين.
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [292] - التاريخ : 7/9/2010 - الكاتب : الشيخ حسين قازان