خطبة الجمعة لسماحة امام بلدة الطيبة الشيخ حسين قازان حفظه الله في مسجد قائم آل محمد – الطيبة – جنوب لبنان.
شهر رمضان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول الله سبحانه في القرآن الكريم: يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. البقرة ـ 183 ـ
وقال الإمام محمد الباقر (ع): بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية . وسائل الشيعة ـ ج1 ـ 7 ـ
فمن قول الله تعالى في الآية المذكورة نعلم أن الصوم فريضة واجبة على كل مسلم ومسلمة، وكذلك من حديث الإمام الباقر (ع) الذي يروي عن أبيه الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) عن جده الإمام الحسين (ع) عن أمير المؤمنين علي (ع) عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وهكذا حال جميع أئمة أهل البيت (ع) الأئمة الاثنا عشر. فهم لا يروون أحاديثهم عن أحمد من الصحابة غالباً.
فالإمام محمد الباقر (ع) يقول بأن الصوم واجب ومما بني عليه الإسلام كما هو الحال في الصلاة والزكاة والحج وولاية أهل البيت (ع)، فلا يجوز لمؤمن ولا لمؤمنة أن يترك الصلاة والصوم والزكاة والحج مع الاستطاعة ، وكذلك ولاية الأئمة الاثني عشر ومحبتهم والأخذ بأقوالهم في فهم الشريعة الإسلامية وأحكامها، وكذلك تفسير الآيات المشابهة من القرآن الكريم.
وحينما نريد معرفة فضل الصوم وآثاره وأهميته نقرأ ما ورد في خطبة النبي (ص) التي خطبها في آخر جمعة من شهر شعبان ومما جاء فيها:
أيها الناس: إنه قد أقبل إليكم شهر الله تعالى بالبركة، والرحمة، والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وهو شهر قد دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم. ـ كتاب الأمالي للشيخ الصدوق ـ
فمن هذه الكلمات من خطبة النبي (ص) نعلم مكانة الصوم وأهميته في الإسلام ومكانة وفضيلة شهر رمضان خاصة حيث بين (ص) بأنه أفضل شهور السنة وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي، ومما ينبغي التنبيه عليه هو ما ذكره (ص) من أن المؤمنين الصائمين هم مدعوون إلى ضيافة الله عز وجل وانهم جعلوا من أهل كرامة الله تعالى.
ويبين أيضاً صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين فضل الصائمين وثوابهم حيث يقول: "أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب".
وأي نعمة أعظم من تلك النعمة العظيمة التي يمنحها الله سبحانه لعباده المؤمنين الصائمين خاصة: فكل نَفََس يتنفسونه هو تسبيحة للخالق العظيم، وكل لحظة ينامون فيها تعتبر لحظة عبادة، وكل عمل يعملونة متقربين به إلى الله تعالى يعتبر عملاً مقبولاً عند ربهم الكريم الرحيم. وكل دعوة يدعون الله تعالى بها تكون مستجابة، فلذلك اعتبر النبي (ص) من يحرم غفران الله في هذا الشهر العظيم هو من الأشقياء، لسعة رحمة الله في هذا الشهر المبارك وعظيم لطفهوفضله ورحمته بعباده المؤمنين.
إن المتهاون في صيام هذا الشهر الشريف والتارك لصيامه من غير عذر يُعتبر عاصياً لله تعالى يجب عليه التوبة من ذلك اليوم الذي أفطره، ويجب عليه قضاؤه بعد ذلك والتكفير عن ذلك.
فأي عاقل مؤمين يرفض طاعة الله ويختار معصيته، ويعرض نفسه لسخط الله وعقوبته. ومن جملة فوائد الصوم العظيمة الوصول إلى درجة المتقين والتي تعتبر من أحل الصفات إلى خالقنا جل وعلا حيث يقول: إن الله يحب المتقين. ـ التوبة ـ 7
وقد ذكرت آية الصوم التي ذكرناها بأن من أهداف الصوم الكبرى التقوى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.
والحصول على جردة التقوى في الصوم واضح باعتبار أن الصوم عزم وتصميم وإرادة ومجاهدة للنفس بمنعها عن الشهوات المحللة في غير الصوم، وعن كل الطيبات والملذات التي اعتادت عليها النفس وكل ذلك بمعزل عن أعن الناس ولا يحصل الالتزام بكل ذلك إلا من الإنسان المؤمن الذي يشعر بأن الله تعالى يراه ويعلم جميع حركاته، ولا يخفى عليه شيء من أموره فيمنع نفسه عن جميع المفطرات في الصوم تقرباً من الله سبحانه، وبذلك يستمر طيلة شهر أو أزيد فتحدث عنده قوة إيمان تمنع عن ارتكاب ما حرم الله حتى في غير شهر رمضان وتلك هي التقوى الصفة المحمودة والمحبة عند الله رب العالمين.
هذا وقد حثنا النبي صلى الله عليه وآله في خطبته قبيل شهر رمضان على أمور أخرى زيادة في الثواب إذا ما قمنا بها في شهر رمضان وللمزيد من القرب من الله العزيز الحكيم منها قوله (ص): واذكروا بجوعكم وعطشكم جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصروا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنها أفضل الساعات ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده، ويجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.
النبي (ص) هو بشر ولكنه الإنسان الكامل، وقد صام كما يصوم المسلمون، وشعر وأحس بما يحس به أي مسلم، بل هو صلوات الله عليه وآله يشارك الناس في آلامهم وحتى غير المسلمين. فالصوم فيه العطش والجوع وخصوصاً من الطبقة العاملة الكادحة التي يؤثر فيها الصوم أكثر من غيرها فلذلك يرشدنا النبي (ص) لنتذكر حين جوعنا وعطشنا يوم القيامة ذلك اليوم الرهيب الذي يلاقي الناس فيه أشد المتاعب والمكاره فنسأل الله تعالى أن يرحمنا في ذلك اليوم العظيم.
وبما أن شهر رمضان هو شهر الطاعات والتقرب إلى الله تعالى بأعمال الخير فلذا نراه (ص) يحثنا على التصدق وعلى الفقراء والمساكين لتضاعف الأجر في شهر رمضان، وتوقير الكبار والرحمة اللصغار، وصلة الأرحام، وحفظ اللسان عن الكذب والغيبة وغيرها، وغض البصر عن النظرة المحرمة، وحفظ الأذان عن الاستماع إلى الغناء وغيره من المحرمات، والتحنن على الأيتام، والتوبة إلى الله سبحانه من أي ذنب، ورفع الأيدي بالدعاء في أوقات الصلاة، كل ذلك من الأعماء المحبوبة إلى الخالق العظيم ولكنها في شهر رمضان يزداد فيها الأجر والثواب.
ويقول (ص) بعد ذلك؛ أيها الناس: إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم وظهوركم ثقلية من أوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أن الله جل ذكره أقسم بعزته وجلاله أن لا يعذب المصلين والساجدين، وأن لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين.
إننا كبشر معرضون للأخطاء والذنوب والمعصوم هو من عصمه الله تعالى ـ وبما أن شهر رمضان هو شهر الرحمة والمغفرة فلذا يحثنا (ص) على الاستغفار لمحو تلك الذنوب، وبطول السجود لنتعرض للرحمة الإلهية ونسجل عند الله مع المحافظين على الصلاة لنفوز بذلك الثواب العظيم.
وبما أن الصائم له حرمة ومكانة عند الله تعالى نجد النبي (ص) يحثنا على إكرام الصائم وإفطاره فيقول: أيها الناس، من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه، فقيل: يا رسول الله وليس كلنا نقدر على ذلك؟ فقال (ص): اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء.
وهذا الحث من الرسول (ص) على إفطار الصائم له دلالة واضحة على قدسية المؤمن الصائم، وعلو منزلته عند الله تعالى بحيث إن من فطر مؤمناً صائماً في نهاية اليوم الذي يصومه له عند الله عز وجل ذلك الثواب العظيم، عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه.
ويضيف (ص) قائلاً: أيها الناس: من حسًّن منكم في هذا الشهر خُلُقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزلُّ فيه الأقدام، ومن خفف فيه منكم عن ما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه، ومن كفّ فيه شره كف الله غضبه عنه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاء ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه.
إن حسن الخلق مطلوب ومحبوب مع الله تعالى ومع الأهل ومع سائر الناس في كل حياتنا ولكن في شهر رمضان خاصة فيه ذلك الثواب العظيم وهو الجواز على الصراط يوم القيامة، والتخفيف عن الزوجة والولد والأجير في شهر رمضان فيه التخفيف من الحساب عند الله تعالى، وكف الشر في شهر رمضان فيه كف غضب الله تعالى، وإكرام اليتيم ثوابه إكرام الله يوم لقائه، وصلة الرحم فيه رحمة الله يوم لقائه، وقطيعة الرحم فيه قطع الله رحمته يوم لقائه.
وأخيراً يذكرنا (ص) بالمحافظة على أمور ينبغي أن نحافظ عليها فيقول: ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، وصلاة التطوع هي الصلاة المستحبة، ومن أدى فيه فرضاً كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فينا سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلاة عليّ ثقل ميزانه يوم تخف الموازين، ومن تلى آية من القرآن كان له أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور وهذا ما يرغبنا في تلاوة القرآن الكريم لكي نختم القرآن كله مرة أو أكثر فعلينا أن نغتنم هذا الشهر المبارك بأفضل الأعمال ومختلف أنواع الحسنات والقربات نسأله سبحانه أن يوفقنا لكل ما يحب ويرضى في هذا الشهر الشريف وأن لا يحرمنا من خيراته وبركاته بمحمد وآله الطاهرين.
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [231] - التاريخ : 19/8/2010 - الكاتب : علي