يقول الله تبارك وتعالى: [وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانِِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون] ـ البقرة ـ 186
ويقول جل شأنه أيضاً: [وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين] ـ غافر ـ 60
في الآية الأولى يبين سبحانه بأنه قريب من عباده يجيب دعوة من يدعوه منهم وما عليهم إلا الاستجابة لطلبه منهم بفعل ما أمرنا به، وترك مما نهانا عنه والإيمان به والتصديق بوجوده وبقدرته التي لا تعجز عن شيء.
وفي الآية الثانية يأمرنا جل جلاله بأن ندعوه في حاجاتنا ومهماتنا، ويعدنا بفضله وجوده أن يستجيب لنا، بل ويسمي الدعاء له والطلب منه عبادة، وأن الذين لا يطلبون حاجاتهم منه مستكبرون عن عبادته، ويتوعدهم بدخول جهنم صاغرين.
والحقيقة أن هذا اللطف الإلهي من أعظم النعم علينا، فالله عظمت آلاؤه المالك لكل شيء، والقادر على كل شيء، فالحياة والموت بيده، والصحة والمرض بمشيئته، والغنى والفقر والعز والذل والقوة والضعف والنصر والخذلان وغيرها كل ذلك تحت علمه وقدرته وهو جل شأنه يدعونا ـ نحن الضعفاء ـ إلى فضله وكرمه لمنحنا ما نأمل وليعطينا ما نسأل.
وقد جاء في بعض الأخبار الشريفة عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن بعض الأئمة الهداة من أهل بيته صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ما يؤكد لنا ويبين ويوضح ما جاء في القرآن الكريم. فعن الإمام جعفر الصادق (ع) قال: قال رسول الله (ص): الدعاء صلاح المؤمن وعامود الدين ونور السماوات والأرض.
وعن أمير المؤمنين علي (ع) قال: الدعاء مفاتيح النجاح، ومقاليد الفلاح، وخير الدعاء ما صدر عن صدر نقي، وقلب نقي، وفي المناجاة سبب النجاة، وبالإخلاص يكون الخلاص، فإذا اشتد الفزع فإلى الله المفرزع.
وعن النبي (ص) قال: ألا أدلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم، ويدر أرزاقكم؟ قالوا بلى، قال (ص): تدعون ربكم بالليل والنهار، فإن سلاح المؤمن الدعاء. الكافي ـ ج2 ـ 468
وروى ميسر بن عبد العزيز من أصحاب الإمام الصادق (ع) الثقاة، عنه (ع) قال: قال لي: يا ميسر ادعُ ولا تقل: إن الأمر قد فرغ منه، إن عند الله عز وجل منزلة لا تنال إلا بمسألة؟ ولو أن عبداً سدّ فاه ولم يسأل لم يعط شيئاً فسل تعط، يا ميسر إنه ليس من باب يقرع إلا يوشك أن يفتح لصاحبه. الكافي ـ ج2 ـ 466
فمن قوله تعالى في القرآن الكريم ومما ورد من أخبار شريفة نعلم أهمية الدعاء، وقيمته عند الله عز وجل، ورجحانه وضرورته لكثرة حاجاتنا وافتقارنا إليه سبحانه الذي حثنا على الدعاء ووعدنا عليه الإجابة، فما على المؤمن بالله تعالى إلا التوجه إلى خالقه في الحاجات الدنيوية والأخروية التي يعجز عن إدراكها والحصول عليها بقدراته المحدودة، وإمكاناته المتواضعة، ولكن الله عز اسمه قد يحقق له طلباته، ويبلغه أمنياته، ويستجيب له دعواته التي يعجزعن تحقيقها بكل الوسائل.
ومن آداب الدعاء ورجاء الاستجابة أن يكون المؤمن على طهارة ولا سيما أثناء الصلاة أو بعدها، وأن يقدم الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه إذ لعل هناك بعض الذنوب التي تمنع استجابة الدعاء كما ورد عن أمير المؤمنين علي (ع) في دعاء كميل قوله: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء" وكذلك أن يبتدأ بالصلاة على محمد وآل محمد ويختم بها.
ملاحظة: إننا حينما نقرأ قوله تعالى: [وقال ربكم ادعوني أستجب لكم] نعلم بأنه سبحانه أمرنا بالدعاء ووعدنا عليه الإجابة، ومما لا ريب فيه بأن الله صادق في وعده، وحاشا له أن يأمرنا بالدعاء ثم يمنعنا من الإجابة، ولكننا نرى أننا ندعوه سبحانه في بعض حاجاتنا فلا تتحقق الإجابة فما معنى ذلك؟
وقد ورد عن بعض أهل البيت (ع) في جواب ذلك بأنه قد لا تكون هناك مصلحة في الاستجابة أو تكون المصلحة في تأخيرها، أو تكون هنالك بعض الأسباب المانعة من الإجابة والتي تخفى علينا وعلمها عند علام الغيوب.
ومع ذلك فإن الدعاء من العبادات التي تقربنا من الله تعالى كما عرفت من الأخبار التي ذكرناها وبعض الآيات الشريفة ويبقى الأمل والرجاء لله عز وجل في قلوبنا في كل الحالات وفي جميع الأوقات، ولا يخيب من علق رجاءه بخالقه الرؤوف الرحيم، والبر الكريم، وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وصلى الله على نبينا المصطفى محد وآله الهداة المعصومين المطهرين.
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [614] - التاريخ : 19/8/2010 - الكاتب : علي