خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة فضيلة العلامة الشيخ حسين قازان في مسجد قائم آل محمد (ع) الطيبة – جنوب لبنان.
حكمة الصوم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول الله سبحانة في القرآن الكريم: [يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون] ـ البقرة
لم يشرع الله سبحانه فريضة الصوم ولا غيرها من الواجبات إلا لحكمة ومصلحة تعود علينا لأنه سبحانه لا تنفعه طاعتنا، ولا تضره معصيتنا، وإن كنا نجهل تلك الحكمة في كثير من الواجبات والمحرمات لقصور عقولنا عن إدراك السر في ذلك، ولكننا نعلم إجمالاً من بعض صفات الخالق سبحانه: كالعلم والرحمة والحكمة وتنزهه جل شأنه عن فعل العبث وغيرها، نعلم من ذلك أنه تقدست أسماؤه لا يأمر عباده إلا بما هو خير وحسن، ولا ينهاهم إلا عما هو شر وقبيح.
ومن تلك الواجبات التي قد لا نحيط بكل فوائدها هو الصوم حيث يقول سبحانه عن بعض فوائده في الآية الشريفة: [لعلكم تتقون].
فإن درجة التقوى عند الله عز وجل من أفضل الصفات وأحبها إليه كما جاء في قوله تعالى: [إن الله يحب المتقين] ـ التوبة ـ 4 ـ والصوم يساعد المؤمن على تحقيق معنى التقوى لأنه يمتنع عن الطعام والشراب والجنس وغيرها حتى ولو كان في مكان لا يراه أحد من الناس تقرباً لخالقه وامتثالاً لأوامره، في الوقت الذي لو شاء لاختفى عن أعين الناس وفعل ما يحب، ولكن إيمانه بالله تعالى وعلمه بأنه يراه ومطلع على جميع أحواله يمنعه من ارتكاب أي شيء من المفطرات، وهذا العمل يستمر طيلة شهر كامل مما يجعله يشعر دائماً برقابة الخالق العظيم في كل حالاته، وفي سائر أفعاله فلا يقدم على ارتكاب محرم، ولا يتقاعس عن أداء واجب وإذا صدر منه أي ذنب فإنه يبادر إلى التوبة، ويسارع إلى طلب المغفرة والرحمة وهذا هو معنى التقوى في أجلى صورها.
كما أن الصوم يساعد الصائم على تقوية إرادته فكأنه في دورة تدريبية فهو يكره نفسه على ترك ما تحب، وفعل ما لا تحب ولمدة شهر كامل مما يجعل لدى المؤمن قدرة خاصة على مواجهة الصعوبات، وتحدي المكروهات، وذلك يحقق للصائم صفتين محمودتين: الصبر وقوة الإرادة.
وقد رأينا في حرب تموز على لبنان سنة 2006 م كيف صبر أخواننا المقاومون في وجه الاعتداء الإسرائيلي، وكيف تحملوا مدة ثلاث وثلاثين يوماً مع شدة القصف والصواريخ وموت الأحبة والأهل، ومع ذلك كله فقدان الماء الصحي والطعام المعتاد لأن شهر رمضان يعلم المؤمنين الصبر، ويقوي فيهم الإرادة والعزيمة. ورأينا في المقابل الإسرائيليين الذين كانوا في الملاجئ كيف كان جزعهم مع تهيؤ الطعام والشراب ووسائل الراحة.
إن فترة الصوم التي يعيشها المؤمن مع الله تعالى هي أطول زمان في الواجبات العبادية حيث يحيا المؤمن مع الله تعالى طيلة شهر كامل يشعر بالقرب منه سبحانه في ليله ونهاره في صيامه نهاراً، وقيامه ليلاً، وفي إفطاره عند نهاية اليوم وفي سحوره ليلاً، وفي صلاته وسائر عباداته، وخصوصاً في الدعاء وقراءة القرآن الكريم وغير ذلك مما يعمق الصلة بين المخلوق وخالقه وبين العبد وربه، وهذا مما لا يحصل عليه المؤمن في سائر العبادات الأخرى كالصلاة والحج والوضوء والغسل وغيرها.
هذا في الجانب العبادي والفوائد الروحية، وهناك جانبان آخران، وفائدتان أخريان وهما الجانب الاجتماعي والجانب الصحي.
أما الجانب الاجتماعي فإن الصوم يجمع الأمة الإسلامية على اختلاف مذاهبها فيمثلون في شهر رمضان الوحدة الإسلامية حيث يتفقون جميعاً على صيام هذا الشهر وتقديسه وتعظيمه، والاهتمام به ورعايته بالصلاة والصيام والدعاء وقراءة القرآن والبر والصدقة وأعمال الخير وصلة الأرحام وغير ذلك.
وأما الجانب الصحي فهو مما أجمع الأطباء على فائدة الصوم للإنسان السليم من الأمراض وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله قبل ما يزيد على أربعة عشر قرناً القول المأثور المشهور: "صوموا تصحوا"، وقد كتب وتكلم العديد من الأطباء في الصوم وفوائده الصحية، بل نجد الطبيب يعالج بعض الأمراض بترك بعض المأكولات والمشروبات والامتناع عن تناولها إما مطلقاً أو بالإقلال منها وهذا يمثل نوعاً من أنواع الصوم الذي لا يراد منه سوى صحة الإنسان وسلامته.
إن تشريع فريضة الصوم في الشريعة الإسلامية كان وما زال وسيبقى ما بقيت الحياة على هذه الأرض رحمة للعباد ورعاية لسلامة أبدانهم وأديانهم لأن الله سبحانه حكيم رحيم لا يأمر عباده إلا بما فيه خيرهم وصلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كما جاء في الحديث الشريف: "إن للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه".
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [234] - التاريخ : 19/8/2010 - الكاتب : علي