سيطر الأمويون على العالم الإسلامي بقوة السيف بعد قتل الإمام الحسين (ع) في مجزرة كربلاء كما سيطر الخوف على الكثيرين من المسلمين وإن حصلت بعض الثورات والانتفاضات ضد يزيد وحكومته الفاسدة فقد خرست الألسن وكمت الأفواه في غالب البلاد الإسلامية وقام الانتهازيون والمنتفعون من بعض الصحابة والتابعين وغيرهم ممن تلبسوا لباس الدين فزينوا للحكام والولاة أعمالهم، وبرروا لهم أفعالهم المخالفة للشريعة الإسلامية تقرباً لمصالحهم، وحفاظاً على دنياهم، وشاع ذلك وذاع هنا وهناك، فعم الخوف وانتشر فعل الإرهاب الأمور من قتل وقمع وسجن ومنع للحقوق، واعتداء على الكرامات والحرمات ضد كل من يتهم بموالاة غيرهم، وعدم التبعية لهم، ولا سيما الموالون لأهل البيت النبوي من شيعتهم ومحبيهم.
وفي هذا الجو القاتم، وفي مثل تلك الفترة المظلمة من حكم الأمويين كان الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) موجوداً في المدينة المنورة يعيش مأساة كربلاء التي حضرها بنفسه، وشاهد كل ما جرى على أبيه سيد الشهداء (ع) وأهل بيته وصحبه من قساوة أولئك الطغاة من جيش عمر بن سعد الذين لم يكتفوا بقتل الرجال وقطع رؤوسهم الطاهرة وسحق جسد الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة وحبيب الرسول (ص) وقرة عين الزهراء البتول، وإنما أضافوا إلى ذلك قتل بعض الأطفال كعبد الله الرضيع ابن الحسين (ع) وحملوا رأس الحسين (ع) مع رؤوس أصحابه وسبوا بنات رسول الله (ص) وأمامهم تلك الرؤوس الشريفة من كربلاء إلى الكوفة، ومنها إلى الشام أمام أعين الناظرين، وقرة عين الشامتين.
إن تلك الشاهد المقرحة للقلوب لم تغب عن مخيلة سيد العابدين، ولم تزل ماثلة أمام فكره وقلبه ووعيه، ولكن الواجب الإسلامي الذي فرضه الله تعالى عليه من حفظ الإسلام ورعايته، ومن الدعوة إلى دين جده وأبيه وأمه وأخيه الذين ضحوا بالكثير من أجل بقائه نقياً من كل ما يشينه، بعيداً عن كل تشويه وتحريف. إن ذلك الواجب الذي يتحمله بعد قتل أبيه إمام الحق والعدل وهو الحجة لله على الخلق يحتم عليه العمل بما يتمكن عليه، وتوجيه الناس وإرشادهم حسب استطاعته، وضمن إمكاناته بما آتاه الله سبحانه من علم وحكمة ومعرفة، وهو من ذلك البيت النبوي الشريف الذين منحهم الله العلم والحلم (وزقوا العلم زقاً ). لذلك كان الإمام السجاد يوزع جهده ونشاطه في سبيل الله على أكثر من صعيد، ويوجه الناس ويرشدهم بأكثر من أسلوب ونذكر هنا بعض تلك الجهات فمنها:
نفس وجوده ـ صلوات الله عليه ـ بشخصه، وهيئته، وسلوكه، فعبادته وزهده وصلاته وسجوده، وتعامله مع الناس، وإحسانه إلى من يسيء إليه، وصبره العظيم في عدة مواطن وحمله الصدقات بنفسه وعلى ظهره للمحتاجين ليلاً، وسمته وهديه الذي شهد به حتى الشاعر المعروف الفرزدق حينما جاء هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي ليستلم الحجر المشرف في الكعبة الشريفة فلم يتمكن من كثرة الناس فاضطر إلى الجلوس جانباً، ولكن الإمام علي بن الحسين (ع) حينما دنى من الكعبة الشريفة انفرج له الناس صفين إجلالاً له وهيبة لرؤيته فأراد هشام ذم الإمام قائلاً من هذا؟ استصغاراً له وتحقيراً لقدره ومقامه، وكان الفرزدق حاضراً فأجابه بتلك القصيدة الرائعة والتي جاء فيها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قولك من هذا بظائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
إن سلوك سيد العابدين في مختلف حالاته، وفي جميع حياته كان خير قدوة للآخرين، وخير صورة عن النبي وعن الإسلام وتشريعاته، فهو النور للسالكين، والإمام الهادي للمهتدين واللسان الناطق بالحق بين العالمين، والحجة لله على الخلق أجمعين.
وأما ما صدر عنه من العلم والمعرفة بالدين وأحكامه، وبالله تعالى وصفاته، وبالأخلاق والحكم والآداب وسائر العلوم والمعارف الإلهية والغيبة فقد وصلنا منها بعضها فرسالة الحقوق الجامعة لكل الحقوق ابتداءً بحق الله عز وجل ثم حق النفس وحق السلطان وحق المعلم وحق الأم وحق الأب وحق الولد والأخ والجليس والجار والصاحب وغيرها من الحقوق والآداب وغيرها التي بلغت خمسين حقاً في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وفي تلك الرسالة تظهر عظمة الإسلام المحمدي الذي حاول الأمويون وأبناءهم تشويهه. وأما أسلوب الدعاء عند إمامنا السجاد فقد كان فريداً من نوعه: فالصحيفة السجادية ودعاء السحر في شهر رمضان ومختلف الأدعية التي وصلنا منها ما وصلنا وربما لم يكن كل ما صدر عنه ـ صلوات الله ـ من مناجاته مع الله تعالى والتي تضمنت مختلف المعارف الإلهية والإسلامية والأخلاقية، فهي تعرفنا على الله تعالى والأنبياء عامة والنبي محمد صلى الله عليه وآله بوجه خاص والملائكة وآل محمد (ص)، وتعلمنا كيفية التوجه إلى الله تعالى وكيفية التعامل معه، والأسلوب الأفضل في معالجة شتى مشاكل الحياة التي تمر مع الإنسان في حال الصحة والمرض والغنى والفقر والنعمة والمحنة وما يعرض للشخص مع نفسه ومن نفسه ومن الشيطان والدنيا والهوى وكيفية التوجه إليه سبحانه بالشكر عند النعمة وبالالتجاء إلى الله عند الشدة، وعندما يتذكر الموت وفي الدعاء للأبوين وللولد وللجيران ولأهل الثغور الذين يدافعون عن البلد الإسلامي وغير ذلك الكثير الكثير وقد بلغت أكثر من خمسين دعاء.
إن أسلوب الدعاء في نهج الإمام السجاد (ع) كان هو الوسيلة الأجدى والأنفع في حفظ الإسلام ونشر معارفه وعلومه وآدابه وأخلاقه، وهو الأسلوب الأفضل في توجيهه الناس وإرشادهم، وفي تعميق صلتهم بالله تعالى، وحل مشاكلهم فيما بينهم، وكيفية تعاملهم مع بعضهم كمسلمين، وكيف ينقلون صورة الإسلام للآخرين ولا سيما في ظل ذلك العهد الأموي الذي أبعد الكثيرين عن المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وشوه صورة الدين.
إن حياة الإمام السجاد (ع) وأقواله وأفعاله وسلوكه كانت تثمل شخصية جده النبي محمد صلى الله عليه وآله، في هديه وتوجيهه وتبليغه، وتشد الناس نحو مفاهيم الإسلام الأصيل، الذي حاول الأمويون طمس معالمه الحقّة، واستبدالها بالجاهلية وقد كانت هذه أهداف يزيد من قتل الحسين (ع) بقوله: "لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل".
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [366] - التاريخ : 2/3/2010 - الكاتب : علي