الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ثاني أئمة أهل البيت المعصومين المطهرين، وحجج الله تعالى على الخلق أجمعين.
ولد ـ صلوات الله عليه ـ في المدينة المنورة، أبوه أمير المؤمنين علي (ع) سيد الوصيين وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (ع)، وجده لأمه خاتم الأنبياء محمد (ص) نشأ وتربى في ذلك البيت الطاهر برعاية أبويه وجده المصطفى الذي كان يغمره مع أخيه الحسين (ع) بعطفه وحبه وحنانه، وقد قال فيهما عدة أخبار شريفة ليبين لأمته مكانتهما عند الله تعالى، وليعرّف عن دورهما الكبير في حماية الإسلام، والاهتمام بشأنه فكان من جملة اقواله (ص): الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا. اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما. وروى أحمد بن حنبل أن النبي (ص) قال: من أحب هذين وأمهما وأباهما كان معي في درجتي يوم القيامة. المجالس السنية ـ ج ـ 5.
كان إمامنا الحسن (ع) كأبيه (ع) وسائر الأئمة من آل الرسول (ص) أكمل الناس أخلاقاً وأكثرهم علماً وورعاً وعبادة وزهداً، وغيرها من صفات الكمال مما جعله أهلاً ومحلاً لقيادة الأمة الإسلامية بعد أبيه أمير المؤمنين (ع)، وليكون بحق خليفة جده الرسول الأكرم (ص). فقد روي أنه (ع) حج خمساً وعشرين حجة ماشياً، وكان إذا توضأ ارتعدت مفاصله واصفر لونه فقيل له في ذلك فقال (ع): حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه وترتعد مفاصله. وإذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول: إلهي ضيفك ببابك يا محسن قد أتاك المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم.
وإذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكرى القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى شهق شهقة يغشى عله منها، وإذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل، وإذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم (الملدوغ) وسأله الله الجنة وتعوذ به من النار، وكان لا يقرأ آية من كتاب الله (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال: لبيك لبيك اللهم لبيك. (المجالس السنية ـ ج 5 ـ ).
تسلم الإمامة والقيادة بعد شهادة أبيه أمير المؤمنين علي (ع) وحينما توجه معاوية بجيشه نحو العراق وبلغ الإمام الحسين (ع) ذلك فنادى المنادي الصلاة جامعة فصعد الحسن (ع) المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين اصبروا إن الله مع الصابرين فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه إنا كنا أزمعنا على المسير إله فتحرك لذلك فأخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة فسكنوا فما تكلم منهم أحد ولا أجابه بحرف فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قام فقال: أنا ابن حاتم، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة فإذا جد الجد تراوغوا كالثعالب أما تخافون مقت الله ولا عنتها وعارها؟
ثم استقبل الحسن (ع) فقال: أصاب الله بك المراشد وجنّبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره، وقد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت ثم خرج ودابته بالباب فركبها وتوجه إلى النخيلة أول الناس.
ثم قام قبس بن سعد بن عبادة ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن خصفة فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم وكلموا الحسن (ع) بمثل كلام عدي، وبعث الحسن (ع) حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فخفوا بعدما تثاقلوا عنه، وخرج الحسن (ع) إلى المعسكر ومعه أخلاط من الناس، بعضهم شيعة له ولأبيه (ع)، وبعضهم خوارج يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين.
ثم سار الحسن (ع) في عسكر عظيم حتى أتى موضعاً يقال له دير عبد الرحمان فأقام به ثلاثاً حتى اجتمع الناس، ثم أرسل عبيد الله بن العباس في اثني عشر ألفاً مقدمة له وقال له: إن أُصبت فقيس بن ابن عبادة على الناس، فإن أصيب فسعيد بن قيس الهمداني، فسار عبيد الله حتى أتى مكان يقال له مسكن، وسار الحسن (ع) حتى وصل إلى ساباط المدائن، فلما أصبح أراد أن يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في الطاعة ليتميز بذلك أولياؤه من أعدائه ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام، فأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر وخطبهم فقال: الحمد لله كلما حمد حامد، واشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق وائتمنه على الوحي صلى الله عليه وآله، أما بعد..
فإني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا.
فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا نظنه والله يريد أن يصالح معاوية، ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل ثم شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شدّ عليه عبد الرحمان بن عبد بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتفه فبقي (ع) جالسا ً متقلداً سيفه بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته، ومنعوا منه من أراده، فقال (ع): أدعوا لي ربيعة وهمدان فدعوا وأطافوا به ودفعوا الناس عنه، وسار ومعه خليط من غيرهم فلما مرّ في مظلم ساباط بدر إليه الجراح بن سنان الأسدي فأخذ بلجام بغلته وبيده سيف دقيق وقال: الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم وضرب الحسن (ع) واعتنقه وخرا جميعاً إلى الأرض وساعده (ع) بعض شيعته فقتلوا الجراح، وحمل الحسن (ع) إلى المدائن واشتغل بنفسه يعالج جرحه. (المجالس السنية ج5 ـ بتصرف وتبديل بعض الكلمات).
وعن المفيد في الارشاد قال: كتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة في السر واستحثوه على المسير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن (ع) إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به، وبلغ الحسن (ع) ذلك، وورد عليه كتاب قبس بن سعد رضي الله عنه أن معاوية أرسل عبيد الله بن العباس يرغبه في المصير إليه وضمن له ألف ألف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة، فانسل عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته وأصبح الناس وقد فقدوا أميرهم، فازدادت بصيرة الحسن (ع) بخذلان القوم له وفساد نيات الخوارج، ولم يبق معه إلا خاصته من شيعة أبيه وشيعته وهم جماعة قليلة لا تقوم لأجناد الشام.
وفي هذا الوقت من اختلاف جند الحسن (ع) كتب معاوية إليه (ع) في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب بعض أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه فعند ذلك أجاب إلى الصلح مكرهاً.
وكان فيما اشترطه الإمام الحسن (ع) على معاوية: أن لا يسميه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة، وأن يترك سبّ أمير المؤمنين (ع) والقنوت عليه في الصلاة، وأن لا يتعقب على شيعة علي (ع) شيئاً ويؤمنهم ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق منهم حقه، وأن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه في الجمل وصفين ألف ألف درهم، فأجابه معاوية إلى ذلك وعاهده عليه وحلف له بالوفاء، ولكن معاوية لم يف بشيء مما عاهد عليه الإمام الحسن (ع)، وصرح بما في نفسه المنطوية على الإثم والغدر حينما قدم العراق مخاطباً الناس بقوله: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإني كنت منيت الحسن (ع) وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها. (المجالس السنية ـ ج5).
هذا هو معاوية الذي يعتبره حتى اليوم بعض الجهلاء من صحابة الرسول (ص) الذين يترضون عنهم، فهو يستحل قتال علي (ع) وعداوته مع قول النبي (ص) فيه: اللهم وال من والاه وعادِ من عاداه ويستحل قتال حبيب النبي (ص) الحسن (ع) ويستحل مخالفة العهد معه، والله تعالى يقول: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً. الإسراء ـ 34 ـ ويقاتل أوصياء رسول الله (ص) لا من أجل الحق وإنما ليتأمر عليهم.
وهذا هو الإمام الحسن (ع) حبيب رسول الله الله (ص) لم يكن عنده أنصار مخلصون وإنما كان في جنده المنافقون الذين عاهدوا معاوية على تسليمه له وقتله إن أراد ذلك، ورأى ـ سلام الله عليه ـ أن في الصلح مع معاوية على تلك الشروط التي عقدها معه حقناً لداء المسلمين عامة، ولدماء الصفوة من أصحابه خاصة وأنه لو قاتل معاوية لقتل (ع) مع أصحابه المخلصين ولم تكن هنالك نتيجة سليمة من إعزاز الدين، ولأشاع معاوية بعد ذلك بواسطة إعلامه الكاذب بأن الحسن هو قد اعتدى عليه وعلى أهل الشام وأن الله قد نصره عليه لأنه مع الحق والحسن (ع) مع الباطل.
ومعلوم أن الظرف والزمان مختلفان عما كان عليه الأمر في زمان الحسين (ع) الذي فرض عليه يزيد مبايعته مكرهاً ولاحقه ببغيه وأتباعه من المدينة إلى مكة المكرمة ومنها إلى العراق مع ما كان عليه الإمام الحسين (ع) من مصاحبة النساء والأطفال من أبناء الرسول (ص) وبقي للحظة الأخيرة من حياته رافضاً القتال ولكنهم حاصروه مع أهله وصحبه وفرضوا عليه إما القتال أو الاستسلام فأعلن ـ صلوات الله عليه ـ قائلاً: ألا وإن الدعي ابن الدعي (عبد الله بن زياد) قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذّلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. "أعيان الشيعة". ومضى شهيداً تاركاً الدروس الكبيرة لكل الأحرار، والذكر الجميل المخلد، والخزي والعار للأمويين وأتباعهم.بومه
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [226] - التاريخ : 2/3/2010 - الكاتب : علي