يقول الله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً. الكهف ـ 110
سئل رسول الله (ص) عن تفسير هذه الآية فقال: من صلى مراءاة الناس فهو مشرك، ومن عمل عملاً مما أمر الله به مراءاة الناس فهو مشرك. بحار ـ ج 72.
وقال الإمام الصادق (ع): كل رياء شرك، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله. الكافي ـ ج 2 ـ 293.
وعنه (ع) قال: قال النبي (ص): إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به، فإذا صعد بحسناته يقول الله عز وجل: اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد بها. الكافي ـ ج2 ـ 295.
فمن الآية الشريفة وما ورد من الأخبار المأثورة عن النبي (ص) وأهل بيته الأئمة الأطهار نعلم أن الإخلاص لله تعالى مطلوب في أي عمل يريد الإنسان أن يتقرب به إلى الخالق سبحانه وأن الرياء مذموم ومبطل لأي عمل يتقرب به من الله تعالى.
بل إن الرياء شرك كما في حديث الإمام الصادق (ع) "كل رياء شرك" والله تعالى لا يقبل الشراكة في طاعته، وقد نهى عن الشرك في قوله جل ثناؤه: "ولا يشرك بعبادة ربه أحداً".
إن منشأ حدوث الرياء في الأمور التي يتقرب بها العبد من الله سبحانه هو قلة معرفته بربه. فهو حينما يصلي أو يتصدق أو يقوم بأي عمل صالح زاعماً أنه يتقرب بذلك إلى الله تعالى وهو في نفس الوقت ينبغي رضا الناس وثناءهم عليه، وتعظيمهم له، ولا يتصور لقلة معرفته بربه ان الناس لا يملكون له نفعاً ولا ضراً وأن الذي بيده النفع والضر حقيقة هو الله وحده القادر على كل شيء والذي بيده الخير، ومالك الأمور.
وحينما يترسخ هذا المعنى في قلب المؤمن بالله العظيم، وتعظم معرفته بخالقه يصبح الله جل علاه هو أعظم من كل شيء، وما دونه هو القليل والحقير والصغير.
كما قال علي (ع) في خطبة المتقين: عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم. هذا وقد ذكر للمرائي علامات فعن أمير المؤمنين علي (ع) قال: ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع أموره. الكافي ـ ج2 ـ 295.
فقد وصف الإمام علي (ع) المرائي بهذه الصفات الثلاث، فهو يكون نشيطاً في عمله وعبادته إذا كان أمام الناس، فيهتم ويحسن مظهره لكي يمدحوه، وأما إذا كان وحده فيقوم يعمل بدون اهتمام ولا مبالاة، ولا يصدر عنه عمل إلا بكسل وخمول.
والعلامة الثالثة في قوله (ع): يحب أن يحمد في جميع أموره، وطبعاً من الناس، ولو كان يحب أن يحمده الله تعالى وملائكته وأنبياؤه لما سأل ولما اهتم بحمد الناس له. هذا في الدنيا فالمرائي محكوم عليه بالشرك وعدم قبول عمله عند الله تعالى، ويذمه العقلاء وحتى نفسه، ولا يصعد من عمله شيء يسجل له في ديوان حسناته، وإنما يسجل عمله في كتاب الفجار وفي سجين لقوله تعالى: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين، وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم. المطففين ـ 7 ـ 8 ـ 9.
وأما في الآخرة فقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام محمد الباقر (ع) قوله: إن المرائي ينادى يوم القيامة: يا فاجر، يا غادر، يا مرائي، ضل عملك، وبطل أجرك، اذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له. البحار ـ ج 72 ـ 303.
فهل هناك خاسر أكثر خسارة من ذلك المرائي الذي يتعب نفسه في الدنيا زاعماً أنه يريد القرب من الله سبحانه ثم يكون في الآخرة من الخاسرين المذمومين النادمين، فيذوب قلبه حسرة على ما قام به في دنياه، ويخسر السعادة الأبدية مع الأنبياء والصالحين وما أعد الله تبارك اسمه من الثواب والنعيم لعباده المتقين المخلصين.
قال عز من قائل: قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين. الزمر ـ 15.
إن مثل تلك العاقبة السيئة للمرائي تدفعنا لكي نهتم بعملنا الذي نتقرب به إلى الله تعالى فنجاهد أنفسنا ونعمل على أن نخلص كل الإخلاص فيه، ونبتعد عن كل رياء ونعرض عن كل سمعة، ونتوجه بكل ما أوتينا من جهد وإيمان وإخلاص لوجه الله الكريم الذي بيده موتنا وحياتنا، وعزنا وذلنا وفقرنا وغنانا، وعافيتنا وابتلاؤنا، وسعادتنا وشقاؤنا.
علينا أن نعمق معرفتنا بالخالق العظيم ـ عظمت آلاؤه ـ من خلال نظرنا وتأملنا وتفكيرنا فيما خلق سبحانه في أنفسنا وفيما خلق في السماوات والأرض من عظيم المخلوقات التي كلما ازددنا نظراً فيها، وتبصراً في خلقها ازددنا تعظيماً لله الخالق العظيم، وحينئذٍ سوف نسخر من الرياء والمرائين، ولا يجد الرياء محلاً له في قلوبنا ونفوسنا.
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [356] - التاريخ : 2/3/2010 - الكاتب : علي