لقد كان حمل النساء والأطفال مع سيد الشهداء (ع) من المدينة إلى مكة، ومنها إلى العراق أمراً مستغرباً حتى عند بعض أهل البيت النبوي الشريف، ولذلك نجد محمد بن الحنفية أخ الإمام الحسين (ع) يعترض على أخيه سيد الشهداء متسائلاً ما معنى حملك هؤلاء النسوة، وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ فقال (ع): قد قال رسول الله (ص): إن الله شاء أن يراهن سبايا. (نفس المهموم) 149
إن محمداً هذا المؤدب مع أخيه الحسين (ع) والعارف بمقامه كان يعلم من أخيه الحسين (ع) بأنه مقتول، وقد قال (ع) له: أتاني رسول الله (ص) فقال: يا حسين إن الله شاء أن يراك قتيلاً. المجالس السنية ـ ج 1 ـ 50
ومن حق أخي الحسين (ع) وكل من شاهد الركب الحسيني الذي تضمن حمل السناء والأطفال مع علم الحسين (ع) بأنه مقتول لا محالة لأن الأمويين لن يتركوه دون أن يبايع ليزيد بن معاوية وهذا ما لم يتوقع من الحسين (ع) أن يرضى به ويوافق عليه. أجل إن من حق من لم يعلم الحكمة من وجود النساء مع سيد الشهداء أن يتساءل عن سبب إخراجهن وحملهن تلك المصائب الجليلة، والمتاعب الكبيرة، وفي تلك الطريق الطويلة التي استغرقت عدة أشهر من المدينة إلى مكة، ومنها إلى العراق، ومنها إلى الشام، ومن الشام إلى كربلاء، ومن كربلاء أخيراً إلى المدينة المنورة حاملات أعظم الهموم وأفجع المصائب، وأفظع الأحزان والكربات.
لكن سيد الشهداء ـ أرواحنا فداه ـ كان يعلم الحكمة والعلة من كل ذلك، فهو (ع) يعلم صفة أخته العقيلة السيدة زينب ـ صلوات الله عليها ـ وأنها العالمة االعارف والقادرة على مواجهة تلك الشدائد، ومشاهدة أعمال وأفعال الأمويين وأتباعهم وما ارتكبوه يوم عاشوراء مع حفيد الرسول الأعظم (ص) وقرة عينه وحبيبه ومع تلك الثلة الطاهرة المخلصة من أهل بيته وأصحابه من إمعانهم في القتل وبعد القتل قطع الرؤوس الشريفة وحتى رأس الحسين (ع) وسحق جسده المقدس بحوافر الخيول، وبعد ذلك حرق الخيام التي ليس فيها أي مقاتل سوى علي بن الحسين (ع) العليل، والنساء والثكالى والأطفال الأيتام، وبعد ذلك إقدام أولئك الجنود الأشياء على سلب بنات رسول الله حتى المقانع والملاحق التي يتسترن بها.
إن تلك الأعمال الإجرامية الفظيعة كانت بحاجة شديدة إلى من ينقلها بصدق وأمانة للعالم الإسلامي في ذلك الزمن الذي لم تكن فيه قنوات فضائية ولا مصورين وإعلاميين، سوى الإعلام الأموي المزيف الكاذب الذي صور للمسلمين بأن الحسين (ع) هو إنسان خارجي خرج على أمير المؤمنين [بزعمهم ـ يزيد بن معاوية] ولولا وجود السيدة زينب (ع) وباقي بنات رسول الله مع الإمام زين العابدين لعاد المقاتلون محتفلين بالنصر، وشوه الإعلام صورة الحقيقة والواقع وتناسى الناس ما حدث وكأن شيئاً لم يحدث.
إن حمل النساء والأطفال لأبناء رسول الله (ص) وبناته من بلد إلى بلد بأوامر السلطة الأموية إعلان صريح عن الإساءة للنبي محمد (ص) كما إن قتل حفيد النبي (ص) وحبيبه إيذاء واضح لخاتم الأنبياء (ص) بل وإيذاء حقيقي لله عز وجل وقد قال تعالى: [إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً] ـ الأحزاب ـ 57
ومن جهة أخرى أهم من ذلك أن وجود أولئك السبايا في الشام التي كانت تعتبر مقر السلطة الأموية والكلمات التي صدرت من الإمام علي بن الحسين (ع) ومن عمته السيدة زينب (ع) وفي المسجد الأموي، وبحضور شخص يزيد الذي أحضر رأس سيد الشهداء (ع) أمامه وجعل يضرب ثناياه بقضيب الخيزران ويقول أبياتاً فيها:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
ولما سكت ذلك الجمع ولم يرد عليه أحد قامت الحوراء زينب (ع) وخطبت خطبتها المشهورة والتي جاء فيها: فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لن تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمرنا، ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وإيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد. (اللهوف). وكذلك خطبة الإمام السجاد التي أوضح فيها بأن السبايا أبناء رسول الله (ص) والمقتول الذي رأسه أمام يزيد هو ابن بنت رسول الله (ص). وقد كان لخطبتي السيدة زينب (ع) وابن أخيها علي بن الحسين الوقع الشديد في نفوس أهل الشام وكنزول الصاعقة على يزيد حينما انكشف للناس كذبه وزعمه بأن المقتول هو خارجي لا صلة له بالحق وأهله، ولا قرابة له برسول الله (ص).
واليوم وفي مثل هذه الأيام من كل عام يتوافد الملايين من المسلمين من أحباء الإمام الحسين (ع) إلى كربلاء المقدسة قادمين من كل حدب واتجاه، متحملين المشقات والصعاب مشياً على الأقدام يتقربون إلى الله سبحانه بزيارة ابن محمد المصطفى سيد الشهداء، الذي ضحى بنفسه وبأهله وبكل ما يملك من أجل بقاء الإسلام سالماً من التشويه والانحراف الأموي في مثل هذه الأجواء التي تحزن فيها القلوب، وتدمع العيون على قتيل كربلاء ويشاهد العالم تلك المجالس الحسينية وعلى عدة قنوات المواساة الكبيرة من أولئك المحبين لمحمد وأهل بيته صلوات الله عليه وعليهم ـ نسمع بين حين وآخر أولئك المدعين للإسلام يلاحقون زوار أبي عبد الله الحسين (ع) قتلاً وجرحاً بتفيجراتهم وحزاماتهم الناسفة زاعمين بأنهم في ذلك يطيعون الله تعالى بقتل من يسمونهم شيعة كفاراً ظلما ًوزوراً وبهتاناً.
إننا نقول لهؤلاء المضللين ولمن يعلمونهم تلك التعاليم الفاسدة:
أولاً: إننا ننصحكم يا أخوتنا في الإسلام بقراءة وتفهم مذهب أهل البيت وخصوصاً من أولئك المفكرين الكبار الذين تشيعوا بعد اطلاعهم وتحقيقهم في عقيدة الشيعة ومذهب أهل البيت (ع) كالتيجاني في كتابه "ثم اهتديت" وصاحب كتاب "الحقيقة الضائعة" شيخ معتصم سيد أ؛مد وغيرهما الكثيرون.
وثانياً: نقول لهم بأنكم إذا اعتقدتم بقتلكم لبعض الشيعة الإمامية ستقضون على الشيعة في ذلك واهمون ومخطئون.
إن عدد الشيعة في العالم ليس قليلاً وإنما هم يعدون بعشرات الملايين، فلن تستطيعوا القضاء على شيعة الحسين بل إنكم بعملكم القبيح هذا تجعلون الشيعة يزدادون كما هو الحال في عصرنا فإن الآلاف من المفكرين الواعين من أخواننا الأعزاء من المسلمين قد أحبوا الشيعة واتخذوهم أخوة وقدوة بل وبعضهم أصبح من المتمسكين بعقيدتهم ومذهبهم ونقول كما قال الكاتب المسيحي بولس سلامة الشاعر:
لا تقل شيعة هواة علي إن في كل منصف شيعيا
إن كل متحرر ومنصف هو شيعي، وإن كل مسلم محب لله ولرسوله ولأهل بيته الأبرار هو شيعي، وكل من يحمل فكراً حراً، وقلباً حياً، وعقيدة صحيحة، وتجرداً عن الأهواء الباطلة، والآراء الفاسدة، والتقاليد العمياء المضلة هو شيعي.
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [330] - التاريخ : 2/3/2010 - الكاتب : علي