سريعة كانت اللحظات الذي أمضاها علي يوسف جابر في كنف عائلته وبلدته ميفدون بعد شهر من غيابه. سريعة، بل خاطفة كانت تلك اللحظات، فلم ترو ظمأ الشقيقة التي انتظرت أخاها ثلاثين يوماً لكي يعود، ولم تخمد شوق الزوجة لرؤية رفيق دربها. عند الأولى ظهراً، وصل جثــمان علي إلى باحة البلدة، تقله سيارة اسعاف تابعة للهيئة الصحية الاسلامية من مستشفى بيروت الجامعي. ولم يكترث شباب البلدة ورجالها للطقس وحبيبات البرد التي تساقطت بغزارة، إذ خرجوا لاستقبال عريسهم الــعائد، بينما موسيقى الموت تعزف لحنا حزينا انطلق ما إن وصلت سيارة الإسعاف إلى أرض ميفدون. باكراً، حضرت زوجته من بيروت برفقة ابنتها الصغرى. كانت الزوجة قد تعهدت بألا تعود الى ميفدون إلا ومعها علي، فيما بقيت بناته الأربع هناك.. فهن لم يتحملن وداع أبيهن ولم يصدقن بعدما غادر بعيدا عنهن إلى الابد. في منزله، تجمهرت نساء البلدة خارجاً، ووقفت ابنة أخته تحمل صورته وتبكي وتنتظر قدوم «الخال الحنون». صوت غريق يصل من الداخل، «يا علي يا عمري محروقة عليك والله رح الحقك يا علي».. إنها شقيقته، تجلس خائرة القوى، بقرب زوجة أخيها. من البعيد، تبدو سيارة الإسعاف تتقدم نحو المنزل. كانت الزوجة تنتظر قدومه لترشقه بـ«ورود القلب». وبالفعل، تحت زخات الورد والأرز التي انهمرت كالمطر، دخل جثمان علي الى منزله: «يا اهلا وسهلا يا خيي نطرتك كتير يا ضي عيوني»... وتردف الزوجة: «يا حبيب قلبي على هالموتة»، وهي تحاول أن تتلمس النعش قبل أن يقرروا الرحيل به. تنفجر النساء بالبكاء والعويل. تحاول كل منهن أن تسرق لمسة من النعش العابر بسرعة من أمامهن.. رحلة علي إلى منزله لا تكفيهن ولا تكفي إخوته وعائلته. فتحمل الشقيقة بزته لتتنشق رائحته فيها، وهي تصرخ بأعلى صوتها. ميفدون البلدة، تأهبت باكرا لاستقبال علي بعد شهر مرير على غيابه. صوره انتشرت في أنحائها، وكلمات وداع قيلت فيه. في الجنازة، لملمت ميفدون حزنها ورشقته بالورد والارز والزغاريد. تقدم موكب التشييع ممثل الرؤساء الثلاثة النائب ياسين جابر، ممثل الأمين العام لـا»حزب الله» رئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد، ممثل قائد الجيش العقيد محمد ديماسي، ممثل المدير العام لقوى الامن الداخلي الرائد محمد احمد، وحملة الأكاليل. في النادي الحسيني، أدت مجموعة من عناصر القوى الأمنية التحية العسكرية، وأمَّ الصلاة على الجثمان الشيخ علي جابر، ثم انطلق الموكب على وقع لحن الموتى التي عزفته الفرقة الموسيقى لــقوى الامن الداخلي، في رحلته الأخيرة إلى مثواه في جبانة البلدة.
القسم : جنوبيات - الزيارات : [779] - التاريخ : 1/3/2010 - الكاتب : السفير