إن من ينظر ويتأمل في التضحيات الجسيمة التي قدمها سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي عليهما السلام على أرض كربلاء، وفي اليوم العاشر من شهر محرم سنة 61 للهجرة النبوية ليعجب ويستغرب من سبط محمد صلى الله عليه وآله من إقدامه على ذلك العمل، ومن جرأته على إزهاق تلك الأرواح الطاهرة من أهل بيته وصحبه الذين عبر عنهم هو (ع) بأنهم أفضل الأرحام وأبرهم، وخيرة الأصحاب وأوفاهم، ولربما يقول البعض بأن الحسين (ع) ألقى نفسه ومن معه في التهلكة حينما واجه تلك الجموع الكثيرة من أتباع الأمويين وأنصارهم، وكان عليه أن يحافظ على تلك النفوس المؤمنة البريئة فيبايع يزيد ويحقن تلك الدماء الزكية التي أريقت على أرض كربلاء، ويسلم نفسه الشريفة ونفوس من معه من تلك القتلة المقرحة للقلوب الموجعة للنفوس.
وبتعبير آخر رب سائل يقول: ما هي الفائدة التي حصل عليها بعد تلك التضحيات وما هي النتيجة التي جناها بعد تلك المجزرة الرهيبة المروعة التي نزلت به وبآله وصحبه، وما أعقب ذلك من قطع الرؤوس الطاهرة وحتى رأسه الشريف، وحمل نسائه وأخواته وبناته وأطفاله أبناء رسول الله (ص) سبايا كسبايا الكفار والمشركين على أسوأ حال من كربلاء إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام مع أولئك الطغاة اللئام.
وفي الإجابة عن ذلك نقول: إن الحسين (ع) كان يعلم ذلك كله، ولم يكن جاهلاً بكل ما سوف يحصل عليه وعلى سائر من معه، وقد أخبر عن ذلك بعض أهل بيته وصحبه ولكنه ـ صلوات الله عليه ـ كان يعلم أيضاً بالنتائج المترتبة على سكوته ومبايعته ليزيد، وبالنتائج الأخرى المترتبة على إصراره ورفضه ليزيد وحكومته.
فهو ـ سلام الله عليه ـ كان يعلم بأنه لو بايع يزيداً المنحرف عن الإسلام، المتجاهر بفعل المنكرات، وارتكاب المحرمات، بل المنكر لرسالة محمد (ص) بصريح شعره:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
لا يبقى للإسلام حقيقة، وإنما تتبدل أحكامه، ويقضى على شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله، فالمحرمات تصبح محللة والواجبات الشرعية تصبح مباحة، وتؤّل أوامر القرآن الكريم ونواهيه، وكذلك التشريعات التي بينها الرسول (ص) حسب أهواء يزيد وأعوانه، وكان رجال الدين أتباع تلك السلطة الأموية مهيئين وجاهزين لتنفيذ كل ما يطلب منهم ولو أدى ذلك إلى محق الدين وتشويه شريعة خاتم المرسلين.
وحاشا لسبط محمد (ص) أن يرضى بذلك، وحاشا لابن فاطمة الزهراء الطاهرة الصديقة، ولشبل علي أمير المؤمنين الذي أكمل الله الدين بإمامته، وأتمّ به النعمة يوم الغدير، وارتضى لنا الإسلام ديناً بخلافته بعد النبي (ص) وتنصيبه ولياً وإماماً للمسلمين، وحافظاً ومحامياً عن الدين القويم.
وأما النتائج المترتبة على شهادة سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) فكثيرة منها: الانتفاضات الإسلامية والثورات التي حدثت بعد استشهاده (ع) كثورة التوابين، وثورة المختار الثقفي الذي قتل كل من كان في الكوفة فمن شارك في قتل الحسين (ع) أو أحد من أهل بيته وصحبه، وما أعقب ذلك من ثورات حتى مجيء الثورة العباسية التي قضت على الأمويين.
ومن أبرز أهم نتائج الثورة الحسينية: الحس الثوري والعاطفة الجياشة القوية التي جعلت أحباء الحسين (ع) والعارفين به، والمتفهمين لسيرته ونهضته يميزون بين الخط الإسلامي الصحيح المقاوم للظلم والجور والانحراف عن خط الرسالة المحمدية الأصيلة وبين الخط الآخر المشوه لصورة الإسلام، والذي يعتبر الإسلام ديناً للصلاة وقراءة القرآن والخضوع والاستسلام للحاكم ولو كان ظالماً منحرفاً عن حقيقة الإسلام.
ولذلك شاهدنا أتباع الحسين (ع) والسائرين على نهجه في عصرنا كيف حصلوا على العزة والكرامة والصمود في وجه طغاة هذا العصر، وتحرروا من الاستعباد لأمريكا وإسرائيل وأعوانهما، وكفى بالثورة الإسلامية في إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين أكبر شاهد على ذلك وأصدق برهان، وأقوى دليل.
إن عطاءات الثورة الحسينية معين لا ينضب، وهي الشمس المشرقة المنيرة لكل الثوار ضد الظلم والجور، وكل الأحرار في هذه الدنيا، وهي النار المحرقة لكل طغاة الأرض ولكل الظالمين المنحرفين عن خط الحق والعدل والسلام والإسلام.
وصدقت مقالة السيد الخميني ـ أعلى الله مقامه ـ حينما يتحدث عن نهضة الإمام الحسين (ع) فيقول: " كل ما عندنا من عاشوراء ".
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [326] - التاريخ : 19/2/2010 - الكاتب : علي