خطبة الجمعة لإمام بلدة الطيبة سماحة الشيخ حسين قازان حفظه الله , في مسجد قائم آل محمد - الطيبة في : /13/2/1430هـ الموافق 29/1/2010
قال جل جلاله: [أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة] ـ النساء.
ذكرني بهذه الآية الكريمة الحادث المؤلم الذي تعرضت له الطائرة الأثيوبية التي أقلعت من مطار بيروت وعلى متنها تسعون راكباً أو يزيد ومنهم أربعة وخمسون راكباً لبنانياً، حيث إنها تعرضت لخلل أو حادث فاشتعلت فيها النار كما نقل ذلك بعض من شاهدها فسقطت في البحر بعد إقلاعها بدقائق ولم ينج منها أحد حياً بل ولم ينج جسد من أجساد الموتى إلا القليل.
وكان لهذا الحدث الأثر الكبير ولا سيما في لبنان باعتبار أن أكثر ركاب تلك الطائرة هم لبنانيون، فاشتغلت الدولة بكافة أجهزتها وإمكاناتها المادية والإعلامية بتغطية هذه الحادثة رحم الله المؤمنين الذين هم بمنزلة الشهداء كما ورد ذلك في بعض الأخبار الشريفة.
وحقاً إنه حادث مؤلم ومفجع، ففي الوقت الذي ودعهم فيه أحباؤهم في مطار بيروت على أمل اللقاء كان هو الوداع الأخير واللقاء الأخير، وكذلك الأحباء في أثيوبيا كانوا ينتظرون لحظة وصول الطائرة ليلتقوا مع ركابها من أحبائهم، وإذا بهم يفاجؤن بسقوطها في البحر.
إن الإنسان المؤمن يرجع إلى الله تعالى في مصائب الدنيا فيحزن القلب وتدمع العين ولكن يسلم أمره لله تعالى ويرضى بقضائه لأن الحياة والموت إنما هما بأمره سبحانه فلا يطول عمر إنسان إلا بعلم الله ومشيئته، ولا يموت إنسان إلا بعلم الله ومشيئته.
يقوله عز من قائل: [الله يتوفى الأنفس حين موتها] ـ الزمر ـ 42.
ويقول سبحانه: [وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله] ـ آل عمران ـ 145.
ويقول أيضاً: [وما تدري نفس بأي أرض تموت] ـ لقمان ـ 34.
ويقول أيضاً: [كل نفس ذائقة الموت] ـ آل عمران ـ 185.
والآية الكريمة التي ذكرناها في بداية هذا الموضوع: [أينما تكونوا يدرككم الموت..].
ومن هذه الآيات الشريفة وغيرها نعلم بأن الموت حتمي على كل إنسان في هذه الحياة ولا بقاء إلا لله الواحد القهار كما قال سبحانه: [كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام] ـ الرحمن ـ 26 ـ 27.
فإذا كان الموت أمراً حتمياً ولا مفر منه، ولا نعلم في أي وقت، وفي أي زمان أو مكان فجدير بكل عاقل أن يكون دائماً على استعداد للقاء الله تعالى، فيؤدي واجبه الذي فرضه الله عليه، ويبتعد عن الحرام الذي نهانا الله عن فعله، ويتوب إلى الله كلما حدث له ذنب من الذنوب، ولا يؤخر التوبة ويسوف في حصولها، ولا يغفل عن الله سبحانه ويطمئن لهذه الحياة التي تنتهي بلمح البصر وبثانية واحدة.
فالإنسان الذي يصعد للطائرة وينظر لتلك المقاعد الجميلة المريحة، ولذلك الهيكل العظيم الجميل للطائرة، وحين تبدأ رحلتها وترتفع في السماء آلاف الأمتار لا ينبغي للعاقل أن يركن ويطمئن إلى عدم حدوث شيء فرب رحلة لا يعود فيها المسافر لأهله، ولا يخرج من الطائرة إلا قطعاً وأشلاءً، وربما يحترق أو يغرق فلا يبقى له أي أثر، فلا أمان لأي إنسان من مفاجأة الموت، ولا نعلم متى يأتينا في ليل أو في نهار، بمرض أو بدون مرض، بحادث سيارة أو طائرة، أو باخرة أو بغيرها من الحوادث الطارئة، كما أننا لا نعلم مجيئه في أي مكان أو زمان، والبقاء في حياتنا مستحيل والحياة في الآخرة هي الحياة الباقية الخالدة.
فحري بكل مفكر عاقل أن ينتبه لنفسه وينظر فيما يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بمعرفة الله تعالى ومعرفة دينه والعمل الصالح النافع الذي يعود عليه بالنفع وعلى الآخرين.
إن الموت هو بداية حياتنا في الآخرة في عالم البرزخ حيث تفنى الأجساد ولكن الأرواح تبقى إما في أنس وسرور ونعيم إن كانت من المؤمنين الصالحين، أو في وحشة وحزن وعذاب إن كانت من الكافرين العاصين. فعلينا أن نجدّ ونجتهد لنعمل العمل الصالح الذي يقربنا من الله سبحانه لنكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
القسم : خُطب الجمعة - الزيارات : [286] - التاريخ : 19/2/2010 - الكاتب : علي