فيما كانت أنظار أمهات المفقودين العشرة من أبناء مدينة النبطية وقراها، شاخصة نحو البحر، الذي احتضن الأحبة في قعره، كانت بلدة زبدين تستفيق من صاعقة الصدمة لتخوض رسمياً في جو الحزن ومتطلبات الاستعداد لاستقبال اثنين من أبنائها الذين قضوا في طائرة الموت: حيدر حسن مرجي (33 عاماً)، وأنيس مصطفى صفا (في العقد السادس من العمر). شاءت الأقدار أن يعودا معاً إلى بلدتهما، وهما اللذان لم يلتقيا أبداً. يعودان جثتين هامدتين، بعدما قضيا حياتهما في بلاد الغربة، من أجل العيش بكرامة. في بلدة زبدين، الحزن سيد، والانهماك بإكمال تحضيرات شاغل. الجميع يتهيأون لاستقبال العائدين، بالسواد ولافتات خطت عليها كلمات تستقبل كل وافدٍ إلى البلدة: «حيدر مرجي جمعت أوراق سفرك.. في صفر سكنت عيون»، و«يا أنيس، القلوب المنتظرة على شرفات الوطن». الزحمة الكبيرة في شوارع القرية، يقابلها سكون عميق في منزل حيدر مرجي. أفراد العائلة في بيروت، حسبما يشرح خال حيدر، قاسم عباس. أمه تعيش حالة صدمة كبيرة، والزوجة كذلك، أما ولداه حسن (9 سنوات) وحسين (6 سنوات) فلم يدركا بعد انهما فقدا والدهما. انهمك قاسم عباس منذ الصباح، في التحضيرات لاستقبال حيدر في منزل والديه، للمرة الأخيرة. كراسيّ وصور ولافتات. وفيما كانت الدمعة تخذله لتجرح الخدين، كانت الكلمات تسبقه: «تعرف محمد ومهدي على شقيقهما من خلال علامتين فارقتين في جسمه، واحدة تحت صرته والثانية قرب رأسه». يشرح: «دمغ جسده بالسواد وأصيب بتشوهات في يديه ورأسه. وفيما كان شقيقه وعمه قبل يومين يؤكدان ان الجثة تعود لحيدر، شككت الأم بذلك.. وبين تشكيك الام ويقين الاخ، كانت كلمة الفصل لنتيحة فحص الحمض النووي». يجلس داخل الغرفة بانتظار عودة الاحبة وحيدا: «منذ 15 عاما، غادر حيدر لبنان الى الغابون حيث عمل في تجارة الالبسة الجاهزة. ومنذ أسبوعين، حضر الى لبنان لاستلام شقته الجديدة في بيروت. لكنه قرر أن يؤخر الانتقال اليها حتى انتهاء شهر صفر، فقرر أن يسافر ويعود بعد أسبوعين. لكنه، لن يتمكن من العودة، إلا إلى حضن تراب زبدين التي زارها للمرة الأخيرة منذ شهر ونصف. كما لن يتمكن من الانتقال الى شقته الجديدة». ما يؤلم خاله أكثر أن «حيدر كان مترددا كثيراً في السفر في رحلة الاثنين. فلقد أخبر أخاه محمد بتردده في أثناء تناوله طعام الغداء معاً قبل يوم من المصيبة. فنصحه محمد بأن يؤجل السفر، إلا أن حيدر أجابه: «معش محرزة». بحرقة، يردد الخال هذه الكلمات. المشهد ذاته ينسحب على منزل جدّة أنيس مصطفى صفا، منتهى عون. العائلة كلها تعيش في بيروت، ولا أقارب له هنا. فليس في البيت إلا مواطن سوداني، يعمل على توضيب المكان لاستقبال صفا في عودته الأخيرة. يساعده على ذلك نساء من أهل زبدين. قبل أسبوع، زار أنيس القرية لتقديم واجب العزاء بأحد أبنائها: «وبعدما كان يزور قريته، سيعود إليها اليوم، إلى الأبد»، تقول الحاجة فاطمة التي تجلس على مدخل منزل انيس، متكئة على عصا، تذرف دموع الحزن: «الحاج انيس كان طيب وآدمي كتير، آخر مرة شفته كان الأحد، في أسبوع أحد أبناء القرية». كراسيّ سوداء وطاولات ومياه ودخان، والشبيبة يلصقون صوره على جدران المنازل والمحال. يتردد في فضاء القرية وصفه بالطيب والآدمي. فقد أمضى عمره في الغابون وبيروت، حتى أنه لا يملك منزلا في بلدته، ولا يفوت الحاجة رقية أن تقول انه تم التعرف على صفا عبر فحص الحمض النووي، كون الجسم أصيب بتشوهات. «يا هلا بالجار يا هلا... يا ريتنا ما تعرفنا عليك يا جار.. طلعت معرفتنا قصيرة... يا ريت مد العمر معك حتى نضل اهل وقرايب». تلك زغرودة ستستقبل بها الحاجة فاطمة، أنيس مصطفى صفا، فيما تستعد نساء البلدة لرشق الأرز والزهر على العائدين من بحر الموت، كما ارتأت الحاجة رقية تسمية الضحايا. اليوم، يشيع صفا ومرجي، بعد أذان الظهر، في قريتهما زبدين، في رحلة الوداع الأخير.
القسم : جنوبيات - الزيارات : [91] - التاريخ : 28/1/2010 - الكاتب : السفير